بابا الفاتيكان في فرنسا برسائل للسلام والوحدة.. والذكاء الاصطناعي في صدارة أجندة الزيارة

يصل البابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا في زيارة تحمل رسائل تتجاوز الإطار الديني، في ظل أزمات دولية متصاعدة وتزايد المخاوف بشأن مستقبل السلام والقانون الدولي، إلى جانب التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتأثيره على حياة الإنسان.

وتحظى الزيارة باهتمام واسع في الأوساط الفرنسية، نظرًا لتزامنها مع تداعيات الحرب في أوكرانيا وأزمات الشرق الأوسط، فضلًا عن كونها أول زيارة للبابا ليون الرابع عشر إلى فرنسا منذ توليه منصبه، والخامسة له خارج الفاتيكان.

وتجمع الزيارة بين الطابع البابوي والصفة الرسمية لرئيس دولة الفاتيكان، وهو ما انعكس على البروتوكول المعتمد، إذ اتفق الجانبان الفرنسي والفاتيكاني على تقليص بعض المظاهر التقليدية للزيارات الرسمية، والتركيز بصورة أكبر على رسائل السلام والأخوة والشباب.

ويبدأ برنامج الزيارة يوم الجمعة 25 سبتمبر ويستمر حتى الاثنين 28 سبتمبر، ويشمل العاصمة باريس ومدينتي سان دوني ولورد، إلى جانب مدينة متز، في جولة تجمع بين المحطات الدينية والإنسانية والثقافية والدولية والأوروبية.

ويستهل البابا زيارته من قصر الإليزيه، حيث يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبحث عدد من الملفات الدولية والإقليمية، من بينها الحرب في أوكرانيا وأوضاع الشرق الأوسط، إلى جانب قضايا المناخ والذكاء الاصطناعي وبعض الملفات المجتمعية المطروحة داخل فرنسا.

وفي إطار النظام العلماني الفرنسي، لن يشارك الرئيس ماكرون في القداديس الثلاثة المقررة خلال الزيارة، فيما سيمثله رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في قداس باريس، بينما يشارك الرئيس شخصيًا في اللقاءات الرسمية المقررة بالعاصمة وفي الفعالية الأوروبية بمدينة متز.

ومن أبرز محطات الزيارة توجه البابا إلى مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، حيث يلقي خطابًا أمام أسرة المنظمة والمجتمع الدولي، بدعوة من مديرها العام الدكتور خالد العناني.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة باعتبارها أول زيارة بابوية إلى اليونسكو منذ زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1980، كما تتزامن مع تصاعد النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي وحدود استخدامه وتأثيره على الإنسان.

وترتبط هذه الرسالة بما طرحه البابا في وثيقته «Magnifica Humanitas»، التي تتناول مكانة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، وتؤكد أهمية حماية كرامته وضمان توجيه التطور التكنولوجي لخدمته، مع الحفاظ على مبادئ العدالة والسلام.

كما يتضمن البرنامج زيارة كاتدرائية نوتردام في باريس، قبل انتقال البابا إلى سان دوني للقاء الشباب في ملعب فرنسا، في محطة تركز على الجيل الجديد والتحديات الاجتماعية والتكنولوجية التي يواجهها، إلى جانب آثار الحروب والاستقطاب والتحولات المتسارعة في العالم الرقمي.

وتشمل الزيارة كذلك لقاءات مع مهاجرين ولاجئين، فضلًا عن لقاء آخر في لورد مع ضحايا الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة، في إطار الاهتمام بالقضايا الإنسانية وتعزيز الحوار بين الفاتيكان والسلطات الفرنسية.

وفي السبت 26 سبتمبر، يترأس البابا قداسًا جماهيريًا في ساحة الكونكورد بباريس، وسط توقعات بحضور أعداد كبيرة من المشاركين. وأعلنت أبرشية باريس تسجيل نحو 600 ألف شخص لحضور القداس قبل إغلاق باب التسجيل، مع توسيع نطاق المنطقة المخصصة للجمهور لاستيعاب الأعداد المتوقعة.

بعد ذلك، ينتقل البابا إلى مدينة لورد، حيث يزور مزار سيدة لورد ومغارة الظهورات، ويشارك في عدد من اللقاءات والأنشطة الدينية والإنسانية، قبل أن يختتم زيارته يوم الاثنين في مدينة متز.

وفي متز، يشارك البابا في حوار بين الأديان ولقاء بعنوان «إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة»، بحضور عدد من المسؤولين الأوروبيين، قبل أن يترأس قداسًا في كاتدرائية سانت إتيان في ختام جولته الفرنسية.

وتتزامن الزيارة مع إجراءات أمنية واسعة، في ظل توقعات بحضور نحو مليون شخص في باريس خلال الفعاليات المختلفة أو على امتداد مسارات تحركات البابا. وأعلنت السلطات الفرنسية تعبئة نحو 15 ألفًا من عناصر الشرطة والدرك والقوات المتنقلة وقوات عملية «سانتينيل» لتأمين الفعاليات، إلى جانب نحو 2500 من رجال الإطفاء.

كما تشمل الإجراءات الأمنية مدينة لورد التي سيُشارك فيها أكثر من 3 آلاف عنصر أمني، فيما تشهد متز انتشارًا مكثفًا للشرطة والدرك لتأمين الفعاليات ومسار الزيارة.

وعلى المستوى الجوي، أعلنت وزارة الجيوش الفرنسية تجهيز منظومة أمنية خاصة طوال فترة الزيارة، تتضمن وسائل للمراقبة والدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيرة، إلى جانب طائرات «رافال» ومروحيات ووسائل استطلاع وكشف، بهدف حماية المدن الثلاث وتأمين الشخصيات والتجمعات الجماهيرية.

وتتحمل الدولة الفرنسية تكاليف الإجراءات المرتبطة بالمهام السيادية، مثل الأمن والمرور والتغطية الطبية والتأمين الجوي، بينما تبقى تكاليف الشعائر الدينية منفصلة عن المال العام، بما يتوافق مع مبدأ العلمانية وقانون الفصل بين الكنائس والدولة.

وتأتي الزيارة في وقت تواجه فيه أوروبا والعالم أزمات متشابكة، ما يمنح رسائل البابا بشأن الحوار والسلام والتعاون الدولي أهمية خاصة، إلى جانب دعوته إلى حماية كرامة الإنسان في مواجهة تحديات العصر الرقمي.

ومن خلال محطاته المختلفة في فرنسا، يسعى البابا إلى الجمع بين الدعوة إلى السلام والحوار، والاهتمام بالشباب والمهاجرين والفئات المتضررة، والتأكيد على ضرورة أن يظل التطور التكنولوجي، وفي مقدمته الذكاء الاصطناعي، وسيلة لخدمة الإنسان والحفاظ على كرامته، وليس عاملًا للحد من دوره أو تهديد حقوقه.