تحل اليوم ذكرى نصر السادس من أكتوبر، الذي يمثل واحدة من أبرز المحطات في التاريخ العسكري المصري الحديث، بعدما تمكنت القوات المسلحة المصرية من عبور قناة السويس واقتحام التحصينات الإسرائيلية وتحرير أجزاء واسعة من سيناء، في معركة ارتبطت بعدد من المشاهد الخالدة في الذاكرة المصرية.
ومن أبرز هذه المشاهد موجات عبور الجنود للقناة باستخدام القوارب المطاطية، وانهيار الساتر الترابي لخط بارليف أمام خراطيم المياه، إلى جانب استخدام سلالم الحبال وإحباط خطة إشعال مياه قناة السويس، في عمليات عكست قدرة القوات المصرية على توظيف حلول مبتكرة وبسيطة للتغلب على التحصينات الإسرائيلية.
وبحسب ما ورد في كتب «المعارك الحربية على الجبهة المصرية» للمؤرخ جمال حماد، و«بطولات مصرية.. حكايات من نصر أكتوبر» لمحمد علي سيد، و«يوم الغفران.. حرب غيرت الشرق الأوسط» لإبراهام رابينوفيتش، ارتبطت عملية العبور بعدد من الأفكار والحلول التي ساعدت القوات المصرية على تجاوز العقبات التي وضعها الجيش الإسرائيلي على الضفة الشرقية للقناة.
خط بارليف.. تحصينات إسرائيلية على ضفة القناة
أنشأ الجيش الإسرائيلي خط بارليف خلال حرب الاستنزاف بهدف تأمين الجبهة الممتدة على طول قناة السويس، وتقليل أعداد القوات اللازمة للدفاع عن المواقع الإسرائيلية في مواجهة أي هجوم مصري.
واستغرق إنشاء الخط نحو عامين، وتكون من عشرات النقاط والتحصينات التي ضمت خنادق ودشمًا ومواقع للرشاشات الثقيلة، وأحيطت بالأسلاك الشائكة، فيما أقيمت خلفها مساطب لتمركز الدبابات والمدافع.
وزادت التحصينات صعوبة الاقتحام بوجود ساتر ترابي ضخم على ضفة القناة، بلغ ارتفاعه ما يعادل نحو ستة طوابق، مع زاوية ميل جعلت تسلقه مهمة شديدة الصعوبة بالنسبة للقوات المهاجمة.
وضمت نقاط خط بارليف مئات الجنود، وكانت مهمتهم التصدي لأي قوات مصرية تحاول الوصول إلى الضفة الشرقية للقناة، بينما كان الساتر الترابي يمثل عقبة أمام تقدم الدبابات، ويجعل قوات المشاة المكشوفة أمام التحصينات الإسرائيلية عرضة لنيران الجنود والدبابات.
خراطيم المياه.. السلاح الذي أسقط الساتر الترابي
مثّل الساتر الترابي أحد أكبر التحديات أمام خطة العبور المصرية، إذ كان يعوق تقدم الدبابات ويصعّب توفير الغطاء اللازم لقوات المشاة.
وكان تدمير الساتر بالمدفعية يحتاج إلى وقت طويل، وهو ما دفع المهندس المصري اللواء باقي زكي يوسف إلى طرح فكرة تعتمد على استخدام المياه لإزالة الرمال، مستفيدًا من خبرته خلال تنفيذ مشروع السد العالي في أسوان، حيث شاهد استخدام مضخات المياه في إزالة الكثبان الرملية.
وعرض المقترح على القيادة العسكرية، وبدأت تجارب لاختبار أنواع مختلفة من مضخات المياه، باستخدام مئات السواتر الرملية، حتى تم التوصل إلى المعدات المناسبة التي أثبتت قدرتها على فتح الثغرات في الساتر.
وتكون نظام السلاح المائي من مضخات تضغط المياه وتدفعها بقوة عبر مدافع أطلق عليها اسم «البشبوري»، لتبدأ القوات المصرية في استخدامها عقب عبور القناة.
ووفقًا للروايات الواردة في المصادر التاريخية، نجحت القوات المصرية خلال الساعات الأولى من الحرب في فتح نحو 60 ثغرة بالساتر الترابي خلال ثلاث ساعات، ما أتاح إنشاء ممرات أمام الدبابات والمعدات لعبور الضفة الشرقية.
سلالم الحبال.. حرفة البحارة تتحول إلى أداة عسكرية
لم تقتصر الابتكارات المستخدمة خلال العبور على خراطيم المياه، إذ استعانت القوات المصرية بسلالم الحبال لتسهيل صعود الساتر الترابي.
وبحسب ما ذكره اللواء عز الدين سيد خلال لقاء تلفزيوني ببرنامج «الشاهد» على قناة «إكسترا نيوز»، جاءت فكرة تصنيع هذه السلالم من حرفة كان يستخدمها المراكبية في صناعة سلالم تساعدهم على الصعود إلى السفن.
واستعان الجيش المصري بعدد من الحرفيين المهرة من البحارة لتصنيع السلالم، حتى وصل عددها إلى نحو 2000 سلم من الحبال.
وساعدت هذه السلالم الجنود على الصعود بسرعة أكبر إلى الساتر الترابي، كما ساهمت في تسهيل سحب بعض المدافع والمعدات المحمولة، وتقليل الوقت اللازم لتجاوزه، بما دعم وصول أعداد أكبر من القوات المصرية إلى الضفة الشرقية واقتحام تحصينات خط بارليف.
الأسمنت يحبط خطة إشعال قناة السويس
قبل حرب أكتوبر، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن وجود شبكة من المواسير أسفل خط بارليف مخصصة لضخ مواد قابلة للاشتعال، بهدف إشعال مياه قناة السويس حال اكتشاف محاولة مصرية للعبور.
وبحسب الروايات المتعلقة بالعملية، بحثت الجهات الفنية في القوات المسلحة المصرية عن وسيلة لإبطال مفعول هذه المواسير، حتى اقترح الضابط إبراهيم شكيب استخدام خلطة أسمنتية لسدها ومنع تشغيلها.
وفي ليلة الخامس من أكتوبر، وقبل ساعات من بدء العبور، نفذت عناصر من الضفادع البشرية المصرية عملية للوصول إلى المواسير وسدها بالأسمنت، ما أدى إلى تعطيلها وإحباط إمكانية استخدامها خلال عملية العبور.
وتشير الروايات كذلك إلى أسر المهندس الإسرائيلي المسؤول عن صيانة هذه المواسير، شيمون ياني، خلال الموجات الأولى للعبور المصري أثناء محاولته تشغيلها.
القوارب المطاطية.. «حصان طروادة» لعبور القناة
احتاجت القوات المصرية إلى وسيلة سريعة وآمنة لنقل أعداد كبيرة من الجنود إلى الضفة الشرقية للقناة، فكانت القوارب المطاطية من أبرز الحلول التي جرى الاعتماد عليها.
وتميزت هذه القوارب بسهولة التخزين وسرعة تجهيزها، كما كان من الممكن إخفاؤها بعيدًا عن أعين القوات الإسرائيلية، وهو ما جعلها مناسبة للمرحلة الأولى من عملية العبور.
لكن توفير أعداد كبيرة منها مثّل تحديًا، في ظل الخشية من كشف تفاصيل الاستعدادات المصرية. وجاء الحل من خلال نقل القوارب عبر سفن تجارية، ثم إدخالها إلى منطقة الجبهة داخل صناديق لا تكشف طبيعة محتوياتها، في خطة شبيهة بفكرة «حصان طروادة».
ومع بدء الحرب، استخدمت قوات المشاة وصائدو الدبابات القوارب المطاطية لعبور قناة السويس والوصول إلى الضفة الشرقية، قبل فتح الثغرات في الساتر الترابي وإنشاء الجسور اللازمة لعبور الدبابات والمعدات الثقيلة.
ووفقًا للروايات التاريخية، ساهمت القوارب المطاطية في نقل نحو 50 ألف جندي مصري خلال الساعات الأولى من العبور، الذين تمكنوا من اقتحام النقاط الحصينة والتعامل مع القوات الإسرائيلية، بينما تولى صائدو الدبابات التصدي للدبابات الإسرائيلية ومنعها من الوصول إلى القوات المصرية التي كانت تتقدم على الضفة الشرقية.
ابتكارات بسيطة صنعت لحظة فارقة
لم يكن نجاح عملية العبور قائمًا على القوة العسكرية وحدها، وإنما ارتبط أيضًا بالاستعداد والتخطيط والقدرة على ابتكار حلول عملية للعقبات التي فرضتها تحصينات خط بارليف.
ومن خراطيم المياه التي فتحت الثغرات في الساتر الترابي، إلى سلالم الحبال والقوارب المطاطية وإحباط خطة إشعال القناة، تحولت أفكار بسيطة إلى أدوات ساعدت القوات المصرية في تنفيذ واحدة من أبرز عمليات العبور العسكرية في التاريخ الحديث.




