«ثمن تورتة عيد ميلادي».. حكايات أطفال المصريين في دعم أبطال أكتوبر

تحل اليوم ذكرى انتصار السادس من أكتوبر المجيد، إحدى أبرز المحطات في تاريخ مصر الحديث، حين عبرت القوات المسلحة قناة السويس ونجحت في اختراق تحصينات خط بارليف، لتبدأ مرحلة جديدة في استعادة الأرض والكرامة الوطنية، بعد سنوات من تداعيات نكسة يونيو 1967.

وبينما خاض الجنود معارك ضارية على الجبهة، وقدموا أرواحهم ودماءهم من أجل تحرير الأرض، لم تكن حرب أكتوبر معركة عسكرية على خطوط المواجهة فقط، بل شهدت أيضًا حالة استثنائية من التلاحم بين الشعب والقوات المسلحة، إذ شارك المصريون، كل من موقعه، في دعم المجهود الحربي ومساندة الجنود.

ويرصد الكاتب الصحفي محمد توفيق، في مقدمة كتابه «شيء من الحرب.. الكعك والبارود»، جانبًا من هذا التلاحم، مشيرًا إلى أن مختلف فئات المجتمع شاركت في المعركة، من الطبيب والمهندس والمحامي والصحفي والعامل والفلاح، إلى الرياضي والفنان والميكانيكي، فضلًا عن الأطفال والشباب وكبار السن والنساء، في مشاهد عكست شعورًا عامًا بأن الحرب كانت معركة المصريين جميعًا.

أطفال مصر على خط المواجهة.. الدعم من قلب البيوت

وبحسب ما أورده الكتاب من أرشيف الصحافة المصرية، ظهرت خلال الحرب العديد من النماذج الإنسانية التي جسدت حرص المواطنين على تقديم أي شيء يمكن أن يصل إلى الجنود على الجبهة، مهما كانت بساطته.

وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعيد ترتيب صفوفها العسكرية بعد الخسائر التي تعرضت لها في بداية الحرب، كان أطفال مصر يتسابقون بدورهم للمشاركة في دعم القوات المسلحة، كل وفق قدرته وإمكاناته.

زينب.. 3 قطع صابون و3 علب سجائر للجنود

يروي الكتاب قصة طفلة تدعى زينب، تبلغ من العمر 10 سنوات، توجهت إلى جمعية الهلال الأحمر وهي تحمل ثلاثة قطع من الصابون وثلاث علب سجائر، رغبة منها في تقديمها للجنود الموجودين على الجبهة.

وعندما سُئلت عن مصدر هذه الهدايا، أوضحت أنها كانت تساعد والدها، الذي يعمل حارسًا لإحدى العمارات، في شراء احتياجات السكان من السوق، وتحصل مقابل ذلك على مبالغ بسيطة، كانت تدخرها لشراء هدايا للجنود.

طارق.. طفل مصاب بالشلل النصفي يحمل هدايا محل والده

ومن بين القصص التي سجلها الكتاب أيضًا حكاية الطفل طارق حسني، الذي كان يبلغ من العمر 12 عامًا، وحضر إلى مقر جمع التبرعات محمولًا على الأعناق.

وحمل طارق معه خمسة أجهزة راديو ترانزستور من محل والده، كان سعر الواحد منها 6 جنيهات، إلا أن المفاجأة كانت أن الطفل كان مصابًا بالشلل النصفي، ومع ذلك أصر على الحضور بنفسه وتقديم التبرعات، ما دفع أقاربه إلى حمله حتى يتمكن من تسليم الهدايا.

مها.. ثمن تورتة عيد الميلاد للمجهود الحربي

وفي مشهد آخر، حضرت التلميذة مها صلاح الدين، من مدرسة بورسعيد الخاصة، وقدمت جنيهين لصالح المجهود الحربي.

وعندما سُئلت عن مصدر المبلغ، قالت إنه ثمن تورتة عيد ميلادها، معربة عن أمنيتها في أن يستفيد الجنود على الجبهة من هذا المبلغ.

أطفال المنصورة والإسكندرية.. مدخرات وحصالات تتحول إلى دعم للجبهة

ويستعرض الكتاب نماذج أخرى من محافظات مختلفة، بينها المنصورة، حيث شاهدت التلميذة عزة حطام طائرات إسرائيلية أمام مبنى المحافظة، فعادت إلى منزلها وحطمت حصالتها، واشترت بما جمعته من أموال حلوى و«جاتوه» ووزعته على الجنود الجرحى.

وفي الإسكندرية، توجه ثلاثة أشقاء إلى مبنى المحافظة، وأصروا على مقابلة المحافظ للتأكد من وصول تبرعاتهم إلى الجنود على الجبهة. وقدم الشقيق الأكبر 30 جنيهًا، والثاني 10 جنيهات، بينما قدم الأصغر 3 جنيهات، موضحًا أنها من مدخرات دفتر التوفير.

ولم تتوقف المبادرات عند ذلك، إذ تنازل عدد من تلاميذ الإسكندرية عن وجبات الغداء لصالح المجهود الحربي، فيما قدمت فتيات مدرسة الرمل مصوغاتهن دعمًا للقوات المشاركة في الحرب.

المعلمون والطلاب.. مشاركة واسعة في المجهود الحربي

وامتدت المشاركة الشعبية إلى المعلمين والطلاب والمدارس، إذ تبرع نحو 10 آلاف معلم ومعلمة في كفر الشيخ بأجر يوم لصالح المجهود الحربي.

وفي البحيرة، تبرعت مدرسة «كفر عطايا» بثمن المعروضات الخاصة بالأشغال الفنية، بينما قدمت طالبات مدرسة «القلب المقدس» 163 ملاءة سرير و39 قطعة من الصوف والتريكو للمجهود الحربي.

كما شاركت طالبات وخريجات مدارس فنون التطريز في القاهرة في إعداد وحياكة ملابس صوفية للجرحى، فيما قدم طلاب مدارس القاهرة «دفايات» لمساعدة المصابين.

أكتوبر.. انتصار عسكري وتلاحم شعبي

وتكشف هذه الحكايات، التي نقلها أرشيف الصحافة المصرية، جانبًا من الصورة الإنسانية لحرب أكتوبر، حيث لم تقتصر المشاركة على الجنود الموجودين في ساحات القتال، وإنما امتدت إلى المنازل والمدارس والمؤسسات ومختلف فئات المجتمع.

فبينما كان جنود القوات المسلحة يخوضون معركة العبور على الجبهة، كان ملايين المصريين يقدمون ما يستطيعون من دعم، لتظل حرب السادس من أكتوبر نموذجًا للتلاحم الشعبي والعسكري في واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري الحديث.