عاد ملف الأصول الإيرانية المجمدة إلى الواجهة مجددًا، بعدما تصدر بند الإفراج عن جزء منها تفاصيل اتفاقية لوسيرن المبرمة بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين البلدين، ليشكل هذا الملف أحد أبرز المكاسب التي حققتها طهران بموجب الاتفاق.
لكن خلف هذه الأموال قصة تمتد لنحو نصف قرن، تحولت خلالها الأصول الإيرانية إلى واحدة من أكثر أوراق الضغط والتفاوض تعقيدًا في العلاقات بين واشنطن وطهران.
ثروة معلقة بين القارات
لا تزال القيمة الحقيقية للأصول الإيرانية المجمدة محل جدل بين الباحثين والخبراء الاقتصاديين، إذ تتراوح التقديرات بين 100 و124 مليار دولار.
وتتوزع هذه الأصول في عدة دول، تتصدرها الولايات المتحدة والصين وكوريا الجنوبية، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية، بينما تشمل أموالًا نقدية وعائدات نفطية وأملاكًا عقارية وأصولًا تعود إلى حقبة الشاه الإيراني.
كما تضم القائمة أثمان صفقات أسلحة أُبرمت قبل سقوط نظام الشاه، فضلًا عن ممتلكات مرتبطة بالحكومة الإيرانية السابقة.
الشرارة التي غيرت المشهد
بدأت أزمة الأصول الإيرانية المجمدة عقب الثورة الإيرانية عام 1979، عندما أدى احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران إلى اتخاذ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قرارًا بتجميد الأصول الإيرانية داخل الولايات المتحدة.
وكانت من بين أولى الأصول التي شملها القرار شحنة أسلحة ضخمة تعاقد عليها نظام الشاه قبل الإطاحة به، لتدخل تلك الصفقة لاحقًا في دائرة النزاعات السياسية والقانونية بين البلدين.
اتفاق الرهائن.. انفراجة أولى
شهد عام 1981 أول اختراق حقيقي في هذا الملف من خلال اتفاقية الجزائر، التي أنهت أزمة الرهائن الأمريكيين مقابل الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة.
غير أن هذه الخطوة لم تضع نهاية للأزمة، إذ عادت العقوبات الأمريكية لتفرض نفسها بقوة خلال السنوات التالية، ما أعاد تجميد أجزاء واسعة من الأصول الإيرانية حول العالم.
العقوبات توسع دائرة التجميد
مع تصاعد التوترات بين البلدين في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وخصوصًا خلال حرب الناقلات في الخليج، فرضت واشنطن حزمة جديدة من العقوبات على طهران.
وأدى ذلك إلى تعطيل جزء كبير من العائدات النفطية الإيرانية المودعة في البنوك الدولية، خشية تعرض المؤسسات المالية لعقوبات أمريكية.
كما وسعت الولايات المتحدة نطاق الأصول المجمدة ليشمل ممتلكات وعقارات إيرانية داخل أراضيها، على خلفية اتهامات تتعلق بدعم الإرهاب وتمويل جماعات متورطة في هجمات استهدفت مصالح أمريكية.
الاتفاق النووي.. نافذة أمل لم تكتمل
شكّل الاتفاق النووي المبرم عام 2015 نقطة تحول بارزة في مسار استعادة إيران لأموالها، بعدما وافقت الولايات المتحدة على الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة على مراحل.
غير أن انسحاب واشنطن لاحقًا من الاتفاق خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب أعاد الملف إلى نقطة الصفر، وأوقف تنفيذ أجزاء كبيرة من التفاهمات المالية التي كانت مطروحة آنذاك.
تبادل السجناء يفتح الخزائن
في عام 2023، تمكنت إيران من استعادة جزء جديد من أموالها المجمدة ضمن صفقة تبادل سجناء مع الولايات المتحدة، تضمنت الإفراج عن أربعة أمريكيين كانوا محتجزين لديها.
واعتبرت تلك الخطوة واحدة من أبرز الانفراجات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة، قبل أن تأتي اتفاقية لوسيرن لتضيف فصلًا جديدًا إلى مسار طويل من المفاوضات والتجاذبات.
أين ذهبت بعض الأصول؟
في المقابل، لم تعد جميع الأصول المجمدة قابلة للاسترداد، إذ تصرفت الولايات المتحدة في بعض الممتلكات الإيرانية على مدار العقود الماضية.
ومن أبرز الأمثلة شحنات الأسلحة التي كانت ضمن أولى الأصول المجمدة، حيث جرى بيعها أو إعادة توجيهها إلى دول أخرى.
كما أصدرت المحاكم الأمريكية أحكامًا بتخصيص أجزاء من الأصول الإيرانية لتعويض ضحايا هجمات وعمليات نُسبت إلى طهران، ما جعل جزءًا من تلك الأموال محل نزاعات قانونية مستمرة حتى اليوم.
اتفاق لوسيرن.. بداية النهاية أم هدنة مؤقتة؟
ورغم أن الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة يمثل مكسبًا مهمًا لإيران، فإن الملف لا يزال مفتوحًا على احتمالات عديدة، في ظل تشابك الاعتبارات السياسية والقانونية والاقتصادية.
وبين أموال محتجزة منذ عقود وتسويات تتغير بتغير موازين القوى، تبقى الأصول الإيرانية واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة المتقلبة بين واشنطن وطهران، وسلاحًا تفاوضيًا لم يفقد تأثيره رغم مرور 47 عامًا على بداية الأزمة.




