تستعد الدورة الـ83 من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، المقرر إقامتها خلال الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر المقبل، لاستقبال حضور عربي بارز يتوزع بين المسابقة الرسمية، ولجان التحكيم، والأقسام الموازية، وبرامج الأفلام القصيرة، إلى جانب عدد من المشروعات العربية المشاركة في منصات دعم وتطوير الإنتاج السينمائي.
ويعكس الحضور العربي هذا العام تنوعًا لافتًا في التجارب والأصوات، بمشاركة سينمائيين من مصر وتونس ولبنان وفلسطين والجزائر والمغرب والأردن، في مشهد لا يجمعه اتجاه فني أو موضوع واحد، بقدر ما يعكس تنامي قدرة السينما العربية على الوصول إلى المحافل الدولية والمشاركة في صناعة الحوار السينمائي العالمي.
كوثر بن هنية في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية
وتشارك المخرجة التونسية كوثر بن هنية عضوًا في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، في خطوة تعكس تنامي حضور السينمائيين العرب في المهرجانات الدولية الكبرى، وتوليهم أدوارًا مؤثرة في تقييم الأعمال المشاركة في المنافسات الرئيسية.
وفي المسابقة الرسمية، ينافس فيلم «امرأة مجهولة» للمخرجة الدنماركية من أصول مصرية مي الطوخي على جائزة الأسد الذهبي، وسط مشاركة 20 فيلمًا في المنافسة الرئيسية.
وتعد الطوخي المرأة الوحيدة بين مخرجي الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية، وتدور أحداث فيلمها في الدنمارك عقب الحرب العالمية الثانية، من خلال قصة «ماري»، وهي خادمة تستعد للزواج من رب عملها الثري، بينما تخفي علاقة سابقة مع جندي ألماني.
وُلدت مي الطوخي في كوبنهاجن لأم دنماركية وأب مصري، وقدمت خلال مسيرتها عددًا من الأفلام، من بينها «قصة طويلة باختصار» و«ملكة القلوب»، الذي حصد جائزة الجمهور في مهرجان ساندانس عام 2019.
السينما الفلسطينية حاضرة في «أضواء فينيسيا»
وتشارك السينما الفلسطينية في قسم «أضواء فينيسيا» من خلال فيلم «حوار مع البحر» للمخرج مؤيد عليان، وبطولة كامل الباشا، عامر حليحل، بهيرة العباسي، ماريا زريق، ربى بلال وهيثم العمري.
وتدور أحداث الفيلم في القدس حول «كمال»، وهو فلسطيني يبلغ من العمر 60 عامًا، يتلقى أمرًا من محكمة إسرائيلية يطالبه بسداد مبلغ كبير للتأمين الوطني، بزعم أن نجله «وائل» مدين به.
لكن كمال يؤكد أن نجله غرق في البحر الأحمر قبل عقود، قبل أن يكتشف أن السلطات لا تمتلك سجلًا رسميًا يثبت وفاته، لينطلق في رحلة بحث عن الحقيقة ومحاولة معرفة ما حدث لابنه.
والفيلم إنتاج مشترك بين فلسطين وهولندا والسعودية وقطر.
«المواطن أسامة» يوثق إنسانية الحرب
ويمتد الحضور الفلسطيني إلى الاختيارات الرسمية خارج المسابقة من خلال فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة، الذي يتابع قصة المصور والسينمائي الفلسطيني أسامة العشي، أحد الصحفيين الذين ظلوا في شمال قطاع غزة خلال الحرب.
ويركز الفيلم على الجانب الإنساني من حياة الصحفي، بعيدًا عن دوره المهني في نقل الأحداث، حيث يرصد محاولاته للموازنة بين مسؤولية توثيق الدمار والخراب، والصراع اليومي من أجل توفير المياه والطعام والحطب لأسرته، وحماية طفله الرضيع الذي وُلد خلال الحرب.
والفيلم من إنتاج مؤسسة «مشْهراوي»، التي يديرها المخرج رشيد مشهراوي.
«غضب».. الأزمة اللبنانية على شاشة فينيسيا
ويشارك المخرج اللبناني رامي كوديح في قسم «أضواء فينيسيا» بفيلمه الروائي «غضب»، الذي تدور أحداثه خلال الأزمة المصرفية التي عصفت بلبنان.
ويروي الفيلم قصة امرأتين، أم عزباء تدعى «مارو» وشقيقتها «داليا»، تقرران تنفيذ عملية سطو جريئة خلال ليلة واحدة، بهدف استعادة مدخراتهما المجمدة عقب الانهيار الاقتصادي، وتأمين تكاليف جراحة منقذة للحياة.
ويشارك في بطولة الفيلم ماريا ناكوزي، ريم مروة، حسن عقيل وعصام بو خالد.
فيلم لبناني مغربي في مسابقة الأفلام القصيرة
وتنافس المخرجة اللبنانية المغربية شادن صفي الدين التازي بفيلمها الوثائقي القصير «لحظات قليلة من السعادة» ضمن مسابقة «أوريزونتي» للأفلام القصيرة، التي تضم 13 فيلمًا تتنافس على جائزة أفضل فيلم قصير.
والفيلم إنتاج مشترك بين فرنسا والمملكة المتحدة، ويتناول قصة مخرجة لبنانية شابة تعيش في باريس وتتابع تطورات الحرب في لبنان عبر هاتفها، مستعينة بتسجيلات الشاشة وأصوات أفراد عائلتها ولحظات من الصمت، بينما تراقب دمار وطنها من الخارج.
العراق حاضر بفيلم عن آثار تنظيم داعش
ويشارك الفيلم العراقي «لا جنة إن قُتلت على يد امرأة» للمخرج هالكوت مصطفى في عروض خارج المسابقة.
ويروي الفيلم، وهو إنتاج مشترك بين العراق والنرويج والإمارات والسويد، قصة «فيان»، وهي قناصة كردية تعود إلى الموصل بعدما تعلم أن شقيقتها الصغرى، التي كان يُعتقد أنها فُقدت خلال هجوم تنظيم داعش عام 2014، ربما لا تزال على قيد الحياة.
«الرجل المجوف» يمثل تونس في أسبوع النقاد
وفي البرامج الموازية، يشارك الفيلم التونسي «الرجل المجوف» للمخرج كمال العريضي ضمن أسبوع النقاد الدولي.
وينتمي الفيلم إلى الخيال العلمي ذي الطابع الديستوبي، وتدور أحداثه في عام 2059، ليقدم رؤية مستقبلية ضمن أحد أبرز الأقسام الموازية للمهرجان.
«البرانية».. مصر في «أيام المخرجين»
ويشهد قسم «أيام المخرجين» العرض العالمي الأول للفيلم المصري الروائي «البرانية» للمخرجة أشجان الهمص، وبطولة ريم عامر، فاطمة إبراهيم الحمص ونادية أحمد الحضري.
ويتناول الفيلم صراع عائلة ريفية مصرية حول قرار بيع أرض الأجداد، وما يرتبط به من أسئلة حول الجذور والانتماء وعلاقة الإنسان بالمكان.
وتدور الأحداث حول «أمل»، وهي امرأة حامل تعيش في ريف مصر، بينما تواجه أسرتها صراعًا بين التمسك بأرض الأجداد والانفتاح على حياة جديدة في المدينة، في مواجهة تعكس الصدام بين التقاليد والتحولات الاجتماعية.
مشروعات عربية في «فاينال كات»
ولا يقتصر الحضور العربي في فينيسيا على الأفلام المكتملة، إذ تشارك مجموعة من المشروعات العربية في برنامج «فاينال كات في فينيسيا»، المخصص لدعم الأفلام التي وصلت إلى مراحلها النهائية من الإنتاج.
وتضم قائمة المشروعات المدعومة من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي فيلم «من الربع إلى الخميس» للمخرجة الجزائرية صوفيا جاما، و**«إلدورادو.. طعم الجنوب»** للمخرج المغربي علاء الدين الجم، و**«الاحتلال والحال»** للمخرج الأردني باسل غندور، و**«بلاء»** للمخرج التونسي يوسف الشابي.
السينما العربية.. من الحضور إلى صناعة المشهد
ويكشف الحضور العربي المتنوع في دورة فينيسيا المقبلة عن تطور واضح في موقع السينما العربية على خريطة المهرجانات الدولية، سواء من خلال الأفلام المشاركة أو حضور صناع السينما في لجان التحكيم أو المشروعات التي تحصل على الدعم والتطوير.
فالمشاركة العربية لم تعد تقتصر على الظهور في أقسام جانبية، وإنما أصبحت تمتد إلى المسابقة الرسمية والبرامج الرئيسية ومنصات الإنتاج، بما يعكس تنوع التجارب العربية وقدرتها على طرح قضايا الإنسان والمكان والهوية ضمن الحوار السينمائي العالمي.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأهم هو عدد الأفلام العربية المشاركة في فينيسيا، بقدر ما يتعلق بمدى قدرة هذه الأعمال على ترسيخ حضور السينما العربية باعتبارها شريكًا فاعلًا في صناعة المشهد السينمائي العالمي.




