جرمين عامر تكتب"الاحتياط واجب" الجماهير .. تحاكم التكنولوجيا

جرمين عامر عضو اتحاد الإعلاميين العرب

جرمين عامر عضو اتحاد الإعلاميين العرب

تخيلوا !! إن شخصية كارتونية صغيرة، استطاعت أن توقف صناع السينما في هوليوود أمام محاكمة جماهيرية مفتوحة، وتجبرهم على إعادة حساباتهم، وإنفاق ملايين الدولارات لتصحيح خطا تقني غير مقصود، لم تتوقعه ميزانيات الإنتاج الضخمة التي خصصت للفيلم!

الحكاية بدأت عام 2019، عندما قررت هوليوود نقل شخصية " القنفذ الازرق .. سونيك" الشهيرة من عالم ألعاب الفيديو إلى الشاشة الكبيرة، وسخرت للفيلم ميزانية ضخمة، واستخدمت تقنيات بصرية، وصوتيه متطورة، وسط توقعات بتحقيق نجاح مبهر من النقاد وصناع السينما علي مستوي العالم.

لكن المدهش!! عند بث الإعلان الترويجي الأول للفيلم، والكشف عن شخصية "القنفذ .. سونيك" بصورته الجديدة، وظهوره بملامح غريبة، وأسنان بشرية، بعيدة تمام عن الصورة التي ارتبطت بذاكرة ملايين الأطفال والكبار لسنوات طويلة.

انقلب المشهد! وتحول الإعلان من أداة للترويج إلى مسرح للسخرية الرقمية، وانهالت التعليقات، والصور الساخرة، ومقاطع الفيديو على منصات التواصل الإجتماعي. معلنة رفض الجمهور للتصميم الجديد، والتغير التقني التي أحدثته التكنولوجيا في الشخصية المحبوبة لديهم. واعتبروا ما أحدثته التكنولوجيا، تشوية لذكرياتهم وثوابتهم الإنسانية التي ارتبطت بالقنفذ الازرق.

ومع تصاعد الإنتقادات، وإنتفاض الجمهور من جروبات "حزب الكنبة" وتحوله لقوة ضغط، أعلن المخرج "جيف فاولر" استجابته لصوت الجماهير، توقف إنتاج الفيلم لحين، إعادة تصميم شخصية سونيك مرة أخري، وفقا لموقع سكاي نيوز.  

وبعد عام كامل آي في عام 2020، ظهر "القنفذ الأزرق .. سونيك" بصورته الجديدة، وحقق الفيلم إيرادات ضخمة عالميا تجاوزت 319 مليون دولار.

أزمة فيلم "القنفذ الازرق .. سونيك" كشفت عن مبدأ إعلامي خطير لا يمكن تجاهله .. إنه صوت الجماهير .. تلك القوة الإنسانية التي لا يجوز مطلقا الإستهانة بها.

فالتكنولوجيا .. مهما بلغت من قوتها، لا تمنح أصحابها حصانة من المحاسبة الجماهيرية. والمؤسسات .. مهما إمتلكت من أموال وتكنولوجيا، لا تستطيع فرض رؤيتها علي الجمهور. وحين يحدث ذلك !! يتحول الجمهور إلى سلاح رقمي خطير وقد يخرج عن السيطرة.

فما بين النقد المشروع، وحملات التنمر، والتشهير، والإغتيال المعنوي خيط رفيع!

قد تتحول موجة غضب على منصات التواصل الإجتماعي إلى أداة لنشر الشائعات، أو استهداف الحسابات، أو سرقة البيانات، تحت لافتة الدفاع عن حقوق الجماهير.

ثم نسأل أنفسنا .. من يوجه صوت الجماهير؟ هل الجمهور نفسه والذي يمتلك سلاح رقمي خطير باختلاف ثقافاته ومعتقداته وميولة وهويته وقوة حشده، أم إنها الخوارزميات التي تتحكم في عمليات الظهور الرقمي من عدمه، أم هي الحسابات المجهولة والتي نسميها "الذباب الإلكتروني" والتي تعرف جيدا من أين يشتعل فتيل الغضب وكيف توجه الجماهير لمصلحتها؟!

احترام صوت الجماهير .. لا يعني الخضوع الكامل لكل موجة غضب، أو وضع النقد علي خاصية الصامت. المطلوب .. هو التمييز بين الرأي والتضليل، وبين المحاسبة والتشهير، وبين المشاركة الواعية والإنسياق وراء حملات رقمية مجهولة الأهداف.

تلك هي الإدارة الواعية .. لصوت الجماهير!!