جرمين عامر عضو اتحاد الإعلاميين
عزيزي القارئ..
حكايتنا اليوم .. قصة مثيرة .. أبطلها فريقين.
الفريق الأول : مكون من مجموعة من الكتب والمخطوطات النادرة، ذات الأغلفة القديمة، والصفحات الصفراء التي تكونت نتيجة لكثرة السنين التي مرت عليها، تنبعث منها رائحة الحبر الثقيله، ومحفور عليها أسماء الكتاب وتواريخ الإصدار العريقة.
تذكرنا .. بحضارة بشرية وإرث إنساني عظيم.
وعلي الجانب الاخر، يقف الفريق الثاني، والمكون من تطبيق للذكاء الإصطناعي، وجهاز مسح ضوئي Scanner، ووصلة إنترنت، وجهاز كمبيوتر. يحركهم .. شاب صغير الحجم، صغير السن، يرتدي تي شيرت وبنطلون أوفر سيز Over size لزوم الموضة.
تبدأ أحداث القصة ..
عندما قررت شركة جوجل فجاة !! أن تحول الكتب القديمة والمخطوطات النادرة الي ملفات رقمية، تحتفظ بها داخل أقراص مدمجة أو ذاكرة إصطناعية Flash Memory لتبثها بداخل محركات البحث العملاقة التابعة للشركة.
بدأ مشروع جوجل بوكس Google Books وسط تحمس النخب الثقافية والإعلامية والسياسية والاقتصادية المهتمين بالثقافة والمعرفة والفنون والإبداع البشري بشكل عام. خاصة وأن المشروع يتضمن أكثر من 40 مليون كتاب ورقي، سيتم تحويلهم لملفات وكتب رقمية بأكثر من 400 لغة.
ويهدف المشروع التنويري لجوجل .. إتاحة المعرفة للجميع في كل مكان وعلي مدار الساعة. فالمعرفة حق إنساني اصيل، مكفول لكل مواطن علي الكوكب الأرضي.
ولكن ما حدث، كان غير ذلك علي الإطلاق !!
فقد خرجت شركة انثروبتك Anthropic بمشروع بنما Panama Project العملاق. ووفق لموقع الجزيرة، قامت الشركة بشراء أعداد ضخمة من الكتب والمخطوطات الورقية القديمة، بلغت ما بين 500 الف ومليوني كتاب. ثم قامت بإزالة تجليد الصفحات، للقيام بعملية المسح الضوئي للمحتوي. لتنتهي من مهمتها في أقل من ستة اشهر.
ولكنها في زهوة نجاح المهمة المستحيلة، لم تهتم بإعادة الكتب والمخطوطات النفيثة إلي هيئتها القديمة. مما أدي لإتلاف جزء كبير منها. لتظهر علي السطح !! قضية اتلاف الموروث الثقافي والفكري، وتضطر الشركة لدفع غرامة ضخمة بلغت 1.5 مليار دولار.
وتتوالي احداث القصة .. لتكشف لنا عن قضية أخلاقية أخري، متعلقة بضياع حقوق الملكية الفكرية لأصحاب هذه الإبداعات الفكرية واهدار حقوقهم المالية والمعنوية وأيضا حقوق دور النشر والتراخيص.
وهنا ظهر .. السبب الخفي، وراء هذه العملية الممنهجة لرقمنة الكتب والمخطوطات القديمة !!
فالذكاء الإصطناعي التوليدي يحتاج .. إلى كميات هائلة من النصوص والمحتوي حتى يتعلم اللغة، والمعرفة، وأساليب التفكير، والكتابة، خاصة وأن المخزون الموجود لديه قد بدا ينفذ، ويكرر نفس الأخطاء.
لذلك أصبح من الضروري، العودة مرة أخري للكتاب البشري القديم، المحرر والمراجع والمطبوع حتي يتمكن العقل الإصطناعي من إعادة التعلم، وتنظيف ما بحافظته من معلومات مغلوطه وتكرارية.
وللاسف !! حكايتنا لم تنتهي بعد ..
فالعالم منقسم الي اتجاهين: الاول يتصدره شركات التكنولوجيا التي تريد تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بالبيانات والمعلومات بشكل مستمرة، وسريع، وعالي الجودة.
والاتجاة الثاني، يقف فيه طابور طويل من المؤلفون والناشرون والباحثون الذين يريدون الحصول علي حقوقهم الفكرية او التعويضات المناسبة لما إستخدمته نماذج الذكاء الإصطناعي من اعمالهم دون علمهم. وبالتاكيد سينضم لهذا الطابور الموسيقىين، والمصورين، والمخرجين، والصحفيين، والباحثين، وكل انسان مبدع له ملكية فكرية.
ففي سباقنا البشري نحو افاق المستقبل ..
قد نكتشف متأخرين .. أن أخطر ما يمكن أن نخسره هو الأصل، الذي يثبت أن العقول البشرية مصدر الابداع، وأن الذكاء الإصطناعي سيظل يعيش على ذاكرة البشر.







