الفترة المقبلة قد تشهد منافسة قوية بين الودائع البنكية وأذون الخزانة
خبراء يحذرون: التوسع في تداول أذون الخزانة للأفراد بالبورصة سيمثل كارثة علي الاستقرار المالي والنقدي
خلال أسبوع ..قيمة التداولات في البورصة نحو 542.5 مليار جنيه منها 89.81% سندات و أذون خزانة
رمسيس: الفترة المقبلة قد تشهد منافسة قوية بين الودائع البنكية وأذون الخزانة، خاصة مع اقتراب استحقاقات شهادات ادخار بقيمة تقترب من 1.3 تريليون جنيه
الصيفي:ضرورة تحقيق التوازن بين تحديث الأدوات الاستثمارية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي
اقتصادي : تحول ودائع الأفراد من البنوك يهدد سياسة التيسير النقدي التي يتبناها البنك المركزي
الأتربي : البنك الأهلي المصري لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة على الشهادات الادخارية
بدأت البورصة المصرية الأسبوع الماضي – التداول على السندات والأذون الحكومية، عبر نظام «G-FIT» لتداول أذون وسندات الخزانة الحكومية ، ويسمح النظام الجديد للأفراد التداول على أذون وسندات الخزانة الحكومية من خلال تطبيقات شركات السمسرة بما يتيح لهم الوصول إلى هذه الأدوات الاستثمارية بسهولة ويسر. و قال إسلام عزام رئيس البورصة إن خمس شركات سمسرة حصلت بالفعل على التراخيص اللازمة لتفعيل الخدمة، على أن يتم تباعًا انضمام شركات أخرى خلال الفترة المقبلة.ويأتي تفعيل سوق السندات في وقت يشهد فيه الطلب على السندات والأذونات زيادة من قبل الأفراد، الذين اعتبروها خيارًا استثماريًا آمنًا وبديلًا عن شهادات الادخار نظرًا لاتساع العائد بينها.
حجم التداول
و كشفت تقرير البورصة المصرية الأسبوعي عن وصول قيمة التداولات إلى نحو 542.5 مليار جنيه خلال الأسبوع الماضي، من خلال تداول 9.125 مليون ورقة منفذة على 891 ألف عملية، مقارنة بنحو 543.7 مليار جنيه من خلال تداول 10.480 مليون جنيه من خلال تنفيذ 869 ألف عملية خلال الأسبوع السابق له.
كما أوضح أنه استحوذت الأسهم على 10.19 % من إجمالي قيمة التداول داخل المقصورة فيما استحوذت السندات وأذون الخزانة على نحو 89.81% خلال الأسبوع. فيما استحوذ المستثمرون الأجانب على نسبة 7.1%، مقابل نحو 6% للمستثمرين العرب، وفق تقرير البورصة المصرية.
أهمية قرار التداول تنبع من ضخامة حجم أذون الخزانة في مصر، والتي كان يتركز معظم التداول عليها سابقاً من خلال البنوك والمؤسسات المالية وبعض كبار المستثمرين، بينما كان من الصعب على صغار المستثمرين النفاذ إلى السوق الثانوية، إذ كان الاكتتاب في السوق الأولية يتطلب التوجه إلى البنوك.
و قال خبراء أن هذه الخطوة ستخلق ديناميكية جديدة في السوق من خلال المنافسة على السيولة، إذ لن تقتصر ودائع العملاء على البنوك فحسب، بينما ستوفر أذون الخزانة عوائد جذابة وإمكانية اكتتاب سهلة، مما سيدفع البنوك إلى إعادة تسعير منتجاتها الادخارية وطرح أدوات جديدة أكثر مرونة وجاذبية.
ورأى الخبراء أن التأثير المباشر على استثمارات البنوك في أذون الخزانة سيكون محدودًا على الأجل القصير، بينما على الأجلين المتوسط والطويل قد يحدث تحول إستراتيجي مع إعادة توزيع السيولة نحو المستثمرين الأفراد، مشددين على أن نجاح البنوك لن يكون في مقاومة التغيير، بل في تبني التكنولوجيا وتقديم خدمات رقمية مبتكرة تواكب انفتاح السوق وتحافظ على تنافسيتها.
تحذيرات
و أثار قرار إتاحة تداول أذون وسندات الخزانة الحكومية في البورصة المصرية جدلًا واسعًا بين الخبراء، بين من يراه نقلة مهمة لتعميق السوق وزيادة السيولة، ومن يدعو إلى دراسة آثاره الاقتصادية بعناية لضمان الحفاظ على الاستقرار النقدي و المالي.
وفي تصريحات صحفية موسوعة ايكونبيديا ، ، لفت الدكتور سيد الصيفي، أستاذ الاقتصاد، إلى ضرورة إعادة النظر في القرار، مطالبًا بوقف التداول مؤقتًا لحين دراسة التداعيات الاقتصادية والشرعية المحتملة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة قد تحمل آثارًا تتجاوز مجرد تطوير أدوات السوق المالية، وتمتد إلى الاستقرار النقدي والمالي للدولة.
وأوضح أستاذ الاقتصاد أن تداول أذون الخزانة التي يصدرها البنك المركزي داخل البورصة المصرية، خطوة تعني عمليًا أن المستثمر الذي يقوم بشراء أذون الخزانة من الحكومة لم يعد ملزمًا بالاحتفاظ بها حتى نهاية مدتها للحصول على قيمتها من الدولة، بل أصبح بإمكانه بيعها في السوق لمستثمر آخر بسعر أعلى من السعر الذي اشتراها به.
وأضاف أن الآلية الجديدة تسمح بانتقال ملكية أذون الخزانة بين المتعاملين في السوق، بحيث يصبح المشتري الجديد هو الطرف الذي يطالب الحكومة بقيمة الأذون عند انتهاء مدة التعاقد، وهو ما يحول أذون الخزانة من أداة ادخار قصيرة الأجل إلى أداة قابلة للتداول والمضاربة داخل السوق المالية.
وأشار الصيفي إلى أن هذه الخطوة تستدعي نقاشًا واسعًا، موضحًا أن أذون الخزانة في جوهرها تمثل دينًا على الدولة، وأن من يقوم بشرائها يعتبر دائنًا للحكومة، وبالتالي فإن بيع هذا الدين لطرف آخر يثير إشكاليات شرعية واقتصادية تستوجب الدراسة المتعمقة.
وأكد أن هناك آراء فقهية ترى أن تداول الدين بالبيع قد يندرج ضمن معاملات غير جائزة شرعًا، وهو ما يستدعي توضيحًا رسميًا من الجهات المختصة لضمان توافق الأدوات المالية مع الضوابط الشرعية، خاصة في مجتمع يولي أهمية كبيرة لهذا الجانب.
في سياق متصل، حذر أستاذ الاقتصاد من التداعيات الاقتصادية المحتملة لتداول أذون الخزانة بشكل واسع داخل الأسواق الثانوية، مستشهدًا بتجارب دولية سابقة، موضحًا أن الصين عندما أرادت ممارسة ضغوط اقتصادية على الولايات المتحدة قامت ببيع جزء من أذون وسندات الخزانة الأمريكية التي كانت تمتلكها، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة في الإصدارات الجديدة من أدوات الدين الأمريكية، وأسهم في حدوث تقلبات في قيمة الدولار وزيادة الضغوط على أسعار الفائدة.
وأضاف أن مثل هذه التحركات تؤكد أن أدوات الدين السيادي يمكن أن تتحول إلى وسيلة ضغط اقتصادي بين الدول، وهو ما دفع الولايات المتحدة لاحقًا إلى اتخاذ مواقف حازمة تجاه بعض شركائها، حيث مارست ضغوطًا على دول أوروبية للحد من بيع السندات الأمريكية، كما توصلت إلى تفاهمات مع اليابان لضمان عدم بيع حيازاتها بشكل مفاجئ، بما يحافظ على استقرار سوق الدين الأمريكي.
وأوضح الصيفي أن السيناريو ذاته قد يصبح ممكن الحدوث في حالة مصر إذا تم تداول أذون الخزانة دون ضوابط كافية، خاصة إذا لجأ بعض المستثمرين أو الدول إلى بيع الأذون المصرية بكميات كبيرة أو بأسعار أقل من قيمتها، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الثقة في أدوات الدين المحلية.
وأشار إلى أن مثل هذا الوضع قد يضع البنك المركزي أمام تحدٍ صعب، إذ قد يضطر إلى إصدار أذون خزانة جديدة بعوائد مرتفعة لجذب المستثمرين مرة أخرى، وربما بعوائد مرتفعة جدًا، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة الدين العام وارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصاد ككل.
من ناحية أخرى، أشار الصيفي إلى أنّ ارتفاع الفائدة بهذه الصورة سينعكس بصورة مباشرة على سعر صرف الجنيه، حيث قد يؤدي إلى تراجع قيمته مرة أخرى نتيجة الضغوط المالية، الأمر الذي قد يدخل الاقتصاد في دائرة جديدة من عدم الاستقرار النقدي والمالي، وهو ما وصفه بأنه سيناريو قد يحدث “بفعل فاعل” نتيجة المضاربات أو التحركات المفاجئة في سوق أدوات الدين.
وشدد أستاذ الاقتصاد على أن الهدف من هذه التحذيرات ليس رفض تطوير الأسواق المالية، وإنما التأكيد على ضرورة تحقيق التوازن بين تحديث الأدوات الاستثمارية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، داعيًا إلى دراسة التجارب الدولية بعناية ووضع ضوابط رقابية صارمة تضمن عدم استخدام أذون الخزانة كأداة للمضاربة أو الضغط على الاقتصاد الوطني.
واختتم الدكتور سيد الصيفي تصريحاته بالتأكيد على أهمية إدارة الدين العام بحذر شديد في المرحلة الحالية، في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وتقلبات الأسواق المالية، معربًا عن أمله في أن تسهم السياسات الاقتصادية المتوازنة في تخفيف أعباء الدين وتحقيق الاستقرار المالي، داعيًا الله أن يوفق البلاد في سداد ديونها ودعم استقرارها الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.
ودائع البنوك علي المحك
فيما اعتبر نائب رئيس بنك بلوم سابقاً طارق متولي، أن قرار إتاحة تداول أذون وسندات الخزانة للأفراد يشير إلى وجود فارق واضح في العائد بين الودائع البنكية وأذون الخزانة، موضحاً أن البنوك تلتزم بإيداع نحو 18% من الأموال كاحتياطي لدى البنك المركزي دون عائد، ما يعني أن البنك يستثمر فعلياً نحو 82% فقط من أموال المودعين، إلى جانب الهامش الذي يحققه البنك لنفسه، وهو ما يؤدي إلى حصول المودع على نحو 75% إلى 76% من العائد الفعلي.
في المقابل، يحصل المستثمر في أذون الخزانة على عائد يوظف كامل قيمة استثماره، بما يمثل ميزة واضحة لصالح أدوات الدين الحكومية، خاصة في ظل معدلات التضخم المرتفعة واحتياج شريحة واسعة من الأفراد إلى عوائد أعلى على أدوات الدخل الثابت.
كما لفت إلى أن المستثمر يمكنه تحقيق مكاسب رأسمالية (Capital Gains) حال انخفاض أسعار الفائدة، إلى جانب العائد الدوري، وهو ما يعزز جاذبية الاستثمار في السوق الثانوية.
وأكد متولي أن القرار سيشكل تهديداً تنافسياً قوياً للبنوك، خاصة فيما يتعلق بودائع صغار المستثمرين والأفراد، مشيراً إلى أن المنافسة ستكون في صالح المستثمر النهائي، إذ ستدفع البنوك إلى تقديم آليات أفضل وتسعير أكثر تنافسية.
وأوضح أن قصر الاستثمار قصير الأجل سابقاً – من يوم إلى عام – على البنوك فقط، كان يمنحها ميزة احتكارية نسبياً، أما الآن فقد أصبح هناك منافس قوي يتمثل في أذون الخزانة المتاحة للتداول بسهولة ومرونة أكبر من حيث مدد الاستثمار، والتي قد تبدأ من 10 أيام أو 15 يوماً أو 20 يوماً، مقارنة بالمدد المحددة للودائع البنكية.
وفي ما يتعلق بتأثير القرار على الودائع البنكية، توقع متولي أن يكون التأثير "قوياً جداً" حال تطبيق الآلية بسهولة ويسر، مشيراً إلى أن المنافسة ستشتد على ودائع الأفراد، ما سيدفع القطاع المصرفي إلى تحسين أدواته ومنتجاته.
كما تطرق إلى استحقاق شهادات بقيمة تصل إلى نحو 1.3 تريليون جنيه، معتبراً أن المشهد قد يختلف هذه المرة مقارنة بالفترات السابقة التي كان يميل فيها العملاء إلى إعادة توظيف أموالهم في ودائع جديدة.
وقال إن الآلية الجديدة قد تدفع شريحة من المستثمرين، بعد تجربة التداول والاطلاع على مزاياه، إلى توجيه جزء من أموالهم إلى سوق أذون الخزانة بدلاً من الاكتفاء بالودائع، خاصة في ظل سهولة الدخول والخروج وارتفاع العائد النسبي.
وتراجع عائد شهادات الاستثمار بالبنوك بشكل حاد بعد خفض البنك المركزي أسعار الفائدة بنحو 725 نقطة أساس لتصل إلى 20% على الإيداع و21% على الإقراض، مع بدء دورة التيسير النقدي عقب انخفاض مستويات التضخم لتسجل 10% بنهاية ديسمبر 2025 مقارنة بمستويات 23.4% في ديسمبر 2024.
فيما أوضحت حنان رمسيس خبيرة أسواق المال أن الأمر لا يمثل ضررًا مباشرًا للبنوك، لكنه يخلق حالة من المنافسة الصحية، خاصة في جذب مدخرات الأفراد، مشيرة إلى أن الاستثمار قصير الأجل كان لفترة طويلة شبه مقتصر على البنوك، بينما أصبحت أذون الخزانة الآن منافسًا حقيقيًا للودائع.
وفيما يخص تأثير النظام الجديد على الودائع البنكية، توقعت رمسيس أن يكون التأثير ملحوظًا إذا تم تطبيق الآلية بسهولة واستمرت إجراءات التداول في التطور، حيث قد تتجه شريحة من أموال المستثمرين الأفراد نحو أذون الخزانة بحثًا عن عائد أعلى ومرونة أكبر في إدارة السيولة.
أشارت إلى أن الفترة المقبلة قد تشهد منافسة قوية بين الودائع البنكية وأذون الخزانة، خاصة مع اقتراب استحقاقات شهادات ادخار بقيمة تقترب من 1.3 تريليون جنيه، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة توجيه جزء من هذه السيولة نحو أدوات الدين الحكومية.
وأضافت أن عملاء الودائع عادة يفضلون أدوات الدخل الثابت، ولا يتجهون بسهولة إلى استثمارات مرتفعة المخاطر مثل الذهب أو الأسهم، إلا أن النظام الجديد قد يغير هذا السلوك تدريجيًا مع زيادة وعي المستثمرين بمزاياه، خاصة بعد تجربة التداول وسهولة استخدام المنصات الرقمية.
وأوضحت أن المرونة الزمنية التي توفرها أذون الخزانة تمثل عامل جذب مهمًا، إذ يمكن الاستثمار لفترات قصيرة للغاية قد تصل إلى أيام قليلة، مقارنة بالمدد الثابتة للودائع البنكية التي تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة، وهو ما يمنح المستثمر قدرة أكبر على إدارة أمواله وفق احتياجاته.
الفائدة و عدم قدرتها علي تحجيم التضخم
أحد الأمور الهامة ايضا في ابتعاد ودائع الأفراد عن سيطرة البنك المركزي و القطاع المصرفي ، هو في عدم القدرة علي توجهات تلك السيولة ، ففي الوقت الذي أخذ البنك المركزي في السير علي تطبيق سياسة التيسير النقدي و ما يمكن أن يؤدي إلي التوسع في منح الائتمان للتمويل الاستهلاكي ، فإن علي البنوك أن تجد أسعار منافسة لأوعيتها الأدخارية لجذب ودائع الأفراد ، فكيف يمكن التوجه للتيسير النقدي في ظل منافسة سوق المال علي تلك الودائع ..
و فيما يخص تلك النقطة ، قال محمد الأتربي رئيس اتحاد البنوك ورئيس البنك الأهلي المصري – في تصريحات إعلامية الأسبوع الماضي- أن البنك الأهلي المصري لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة على الشهادات الادخارية، وذلك في تعقيبه على قرار البنك المركزي، الخميس قبل الماضي، بتخفيض الفائدة بنسبة 1%.
وشدد على استمرار أسعار الفائدة على الشهادات كما هي دون أي تغيير، عند مستوى 16%، ناصحا المودعين بالتوجه نحو الشهادات ذات الفائدة «المتناقصة» التي تعطي عائدا في السنة الأولى يتجاوز 20%، وبمتوسط عائد يصل إلى 16.5% على مدار الثلاث سنوات، وذلك بدلا من الثابتة ذات الـ 16%.
وشدد أن استثمار الأجانب في أذون الخزانة «الأموال الساخنة»؛ «لا نُعول عليه كثيرًا»؛ لكنه يمثل دليلا على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية في الاستثمار بأذون الخزانة المصرية، لا سيما وأن «المؤشرات الاقتصادية تحسنت».
وأضاف أن البنك يمتلك قاعدة عملاء ضخمة تتجاوز الـ 22 مليون عميل، مشددا أنه «لم يحدث أي انخفاض في حجم الودائع أو شهادات الادخار»، داخل البنك الأهلي عقب قرارات خفض أسعار الفائدة.




