مع اقتراب عيد الفطر 2026، تبدأ الأجواء الاحتفالية في الظهور داخل البيوت والشوارع المصرية حيث تتصاعد رائحة “التحويجة” لتعلن بدء موسم إعداد كعك العيد، أحد أبرز الطقوس المرتبطة بالاحتفالات الشعبية في مصر. ولم يعد الكعك مجرد حلوى موسمية، بل أصبح رمزًا للفرح وامتدادًا لتراث ثقافي واجتماعي متوارث عبر الأجيال.
جذور تاريخية عميقة
تعود أصول كعك العيد إلى مصر القديمة، حيث تشير بعض المصادر التاريخية إلى أن زوجات الملوك كن يقمن بإعداده وتقديمه للكهنة داخل المعابد. وكان الكعك آنذاك يتميز بزخارف هندسية مستوحاة من قرص الشمس، في دلالة رمزية على الحياة والنور.

وخلال العصور الإسلامية، خاصة في الحقبتين الإخشيدية والفاطمية، اكتسب الكعك طابعًا احتفاليًا رسميًا، حيث تولت الدولة تنظيم صناعته وتوزيعه على المواطنين في مواكب شعبية، ما عزز حضوره كعنصر أساسي على موائد عيد الفطر.
طقس عائلي يتوارثه المصريون
ورغم انتشار المخابز الحديثة وتنوع المنتجات الجاهزة، ما زالت العديد من الأسر المصرية تحرص على إعداد الكعك داخل المنزل، خاصة في المناطق الريفية والشعبية.
وتبدأ عملية التحضير بشراء المكونات الأساسية مثل الدقيق والسمن البلدي، ثم مرحلة العجن أو ما يُعرف شعبيًا بـ“البس”، وهي مرحلة تتطلب مهارة وصبرًا قبل الانتقال إلى مرحلة النقش بالمناقيش التقليدية.
ولا يقتصر الأمر على إعداد الحلوى فقط، بل يتحول إلى مناسبة اجتماعية تجمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، حيث تتبادل الأحاديث والذكريات، ويتعلم الصغار طرق الصناعة من الكبار في أجواء تعزز روح الترابط الأسري.
سوق الكعك.. نشاط متزايد رغم التكاليف
يشهد سوق الكعك الجاهز إقبالًا ملحوظًا مع اقتراب العيد، حيث تتنافس المحال التجارية على تقديم تشكيلات متنوعة تناسب مختلف الأذواق والقدرات الشرائية.
ورغم ارتفاع أسعار الخامات، يستمر الإقبال على الشراء، في مؤشر على تمسك المصريين بطقوس العيد وحرصهم على الاحتفاظ بمظاهر البهجة حتى في ظل التحديات الاقتصادية.
وتتنوع أصناف الكعك بين الأنواع التقليدية المحشوة بالعجوة أو الملبن، إلى جانب نكهات عصرية مثل “الريد فيلفيت” و“اللوتس”، في محاولة لجذب الأجيال الشابة ومواكبة التطورات في أذواق المستهلكين.
تاريخ ممتد عبر الحضارات
لم يكن كعك العيد مجرد تقليد حديث، بل هو طقس ضارب في عمق التاريخ المصري، حيث مر بعدة مراحل تاريخية ساهمت في تشكيل صورته الحالية.
ففي العصر الفرعوني، كان الكعك يرتبط ببعض الطقوس الدينية، حيث كان يقدم للكهنة، بينما أبدع خبازو تلك الفترة في تشكيله بأشكال متعددة، كان أشهرها الشكل الدائري الذي يرمز إلى قرص الشمس وإلى الإله “رع”، ولا تزال هذه الأشكال حاضرة حتى اليوم.
أما في العصر الإخشيدي، فقد ارتبط الكعك بفكرة المفاجأة، حيث يُروى أن الوزير أبو بكر المادراني كان يحرص على حشوه بالدنانير الذهبية، وكان يطلق عليه اسم «أفطن إليه» في إشارة إلى ما قد يحمله من مفاجآت.
وفي العصر الفاطمي، وصل الكعك إلى ذروة انتشاره، إذ خصصت الدولة ميزانية كبيرة لصناعته، حيث كان يتم إعداد كميات ضخمة منه وتوزيعها على المواطنين في احتفالات شعبية ضخمة، كما كان الخليفة يشرف بنفسه على عملية التوزيع.
تراث مستمر حتى اليوم
استمر تقليد صناعة الكعك عبر القرون ليصبح أحد أهم مظاهر الاحتفال بعيد الفطر في مصر. وتحتفظ بعض المتاحف التاريخية بقوالب كعك أثرية منقوشة بعبارات مثل «كل هنيئًا واشكر» و«كل واشكر مولاك»، في دلالة على البعد الروحي والاجتماعي المرتبط بهذه العادة.




