في سلسلة من الشهادات السياسية التي تعيد قراءة مرحلة حساسة من تاريخ مصر الحديث، كشف الدكتور مصطفى الفقي، المفكر السياسي وسكرتير رئيس الجمهورية الأسبق للمعلومات، عن كواليس وملفات شائكة داخل عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، شملت جدل التوريث، وإدارة أزمة 25 يناير، وعلاقة الدولة بالمؤسسة العسكرية والكنيسة، في حوارات تلفزيونية حملت تفاصيل غير معلنة من قبل.
أولًا: كواليس التوريث وسقوط النظام
يروي الفقي أن نظام مبارك واجه ثلاث أزمات رئيسية أدت إلى تآكله، أبرزها طول فترة الحكم التي امتدت 30 عامًا، ما أدى إلى غياب التجديد السياسي، إلى جانب ظهور جيل جديد بأفكار مختلفة لم يجد مساحة داخل النظام، فضلًا عن صراع داخلي داخل الحزب الوطني بين قيادات الجيل القديم وجيل أكثر نفوذًا سياسيًا.
وكشف الفقي عن مكالمة هاتفية جمعته بالرئيس مبارك بعد التنحي، سأله خلالها عن حقيقة ما يُثار حول “توريث الحكم”، ليرد مبارك بنفي قاطع للفكرة، مؤكدًا رفضه أن يحكم نجله جمال، ومعتبرًا أن الأمر مجرد شائعات سياسية، مضيفًا أنه لم يطرح هذا الموضوع بشكل رسمي داخل أسرته أو دوائر الحكم.
وأشار إلى أن وفاة حفيد الرئيس مبارك، محمد علاء، كانت لحظة مؤثرة جدًا أثرت نفسيًا على الرئيس، وظهرت خلال جنازته مشاهد إنسانية غير معتادة، بمشاركة شخصيات من مختلف الاتجاهات السياسية.
كما لفت إلى أن مبارك تلقى عروضًا خارجية لمغادرة البلاد بعد أحداث يناير، لكنه رفض مغادرة مصر وفضّل البقاء داخلها.
ثانيًا: كواليس الـ18 يومًا قبل التنحي
كشف الفقي عن لقاء جمعه بعلاء مبارك قبل الثورة بأيام، حيث دار نقاش حول الأوضاع الإقليمية بعد أحداث تونس، مع اعتراف بوجود توتر سياسي داخلي، وقلق من احتمالات انتقال العدوى الثورية إلى مصر.
وأوضح أن إدارة الدولة خلال الـ18 يومًا من الثورة اتسمت بالارتباك، وتأخر القرارات، وغياب الرؤية الواضحة، رغم تسجيله موقفًا مهمًا لمبارك برفض استخدام القوة ضد المتظاهرين، خاصة سلاح الحرس الجمهوري.
كما أشار إلى مواقف إنسانية للرئيس الراحل تعكس طبيعته غير الصدامية، ومنها تعليق ساخر على مقعد الرئاسة، في إشارة إلى رفضه الرسمي لتقديس السلطة.
ثالثًا: صعود المشير طنطاوي والمؤسسة العسكرية
روى الفقي تفاصيل تعيين المشير محمد حسين طنطاوي، مؤكدًا أن اختياره جاء نتيجة ملاحظة مباشرة من مبارك خلال مناسبة رسمية، حيث لفت انتباهه انضباطه وحضوره.
وأشار إلى أن طنطاوي لم يكن متحمسًا في البداية لمنصب الحرس الجمهوري، قبل أن تتحول العلاقة بينه وبين القيادة السياسية إلى علاقة ثقة واستقرار.
وكشف مفاجأة سياسية مهمة، وهي أن منصب نائب رئيس الجمهورية عُرض أولًا على المشير طنطاوي قبل اللواء عمر سليمان، لكن الظروف السياسية آنذاك حسمت الأمر بشكل مختلف.
وأكد أن مبارك كان يعتبر القوات المسلحة “صمام أمان الدولة” وأنها الضامن الأساسي للاستقرار في أي أزمة.
رابعًا: علاقة مبارك بالبابا شنودة
وفي ملف آخر، كشف الفقي عن حوار دار بين مبارك والبابا شنودة الثالث، عرض خلاله الرئيس إعلان عيد القيامة عطلة رسمية، لكن البابا رفض الفكرة بحكمة، معتبرًا أنها قد تفتح بابًا للجدل الطائفي.
وأشار إلى أن البابا كان حريصًا على وحدة المجتمع وتجنب إثارة الخلافات، وهو ما لقي تقديرًا كبيرًا من مبارك، الذي وصفه بأنه “رجل حكيم ووطني”.
وأضاف أن الدولة شهدت تطورًا كبيرًا في ملف المواطنة وتقنين أوضاع الكنائس، وصولًا إلى مرحلة وصفها بأنها “عصر أكثر استقرارًا في العلاقة بين الدولة والأقباط”.



