چرمين عامر تكتب : «الاحتياط واجب»..كيف تخلق خوارزميات شات جي بي تي .. سفاح؟!!

جرمين عامر

جرمين عامر

في الماضي، كانت قصص القتل تبدأ بمشهد لمجرم بملامح شر واضحة تعمدت السينما المصرية أن تبرزها في صورة نمطية (Stereotype) من الملابس كالتيشيرت المقلم بالعرض، والصوت الخشن المخيف، وحدية الملامح، وآثار الندوب والإجرام محفورة على وجهه، يحمل في يده سكيناً أو مسدساً، ومعه خطة مرسومة على ورقة مخبأة في جيبه أو في درج مغلق.

 

أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً على مسرح الجريمة الإلكترونية؛ لم نعد نرى مواصفات ملوك الشر في الأفلام القديمة مثل محمود المليجي، أو نسمع صوت توفيق الدقن، إنما أصبحنا نرى قاتلاً ديجيتال يجلس في غرفته، يحتسي قهوته بهدوء، يفتح شاشة هاتفه، ثم يكتب سؤالاً عابراً على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي كـ (شات جي بي تي) يستفسر عن: أسرع طرق التخلص من شخص دون ترك أي أدلة رقمية؟ أو كيفية اختيار التوقيت المناسب والذي يقل فيه وجود الناس في منطقة معينة؟ أو حتى كيفية معرفة نمط سلوك شخص معين من منشوراته على السوشيال ميديا؟ أو حتى كيف تكتب رسالة مضللة تبدو وكأن الضحية هو الذي أرسلها بنفسه؟

 

لتبدأ بعدها ملابسات الجريمة الأخطر! جريمة بأحدث صيحات العالم الرقمي، وباستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي بعد تطويرها من مجرد مساعد ذكي يكتب الرسائل الإلكترونية أو يساعد الطلاب في تلخيص الكتب، إلى شريك صامت في ارتكاب الجرائم.

 

فالمجرم المودرن لم يعد يخطط وحده، إنما وظف مساعداً ذكياً بعقل اصطناعي جبار، جاهز للإجابة على مدار الساعة سبعة أيام في الأسبوع، لا يسأله عن صدق نواياه سواء كانت خيراً أو شراً، خادم يجيب فقط دون أن يدرك أن بعضاً من كلماته التي يخطها قد تكون بداية النهاية لشخص آخر.

 

واحدة من أغرب القضايا التي أثارت مؤخراً جدلاً عالمياً واسعاً، قضية حادثة قتل قامت بها امرأة تبلغ من العمر 21 عاماً، في كوريا الجنوبية وبالتحديد في العاصمة سيول عام 2026.

 

بدأت ملابسات الجريمة عندما عثرت الشرطة الكورية على رجلين متوفيين في غرفتين منفصلتين داخل فنادق صغيرة، خلال فترة زمنية متقاطعة، وفي ظروف متشابهة أثارت الشكوك.

 

في البداية، بدا الأمر وكأنه حادث عرضي مرتبط بجرعات دوائية زائدة، لكن التحقيقات أثبتت تورط المتهمة، لتكشف بعدها المفاجأة الصادمة!

 

فقبل وقوع الجريمة، كانت هناك سلسلة طويلة من المحادثات بين المتهمة وبين تطبيق (شات جي بي تي) حول تأثير مزج أدوية معينة مع الكحول، وحجم الجرعات التي تؤدي لتوقف التنفس، كذلك الوقت الذي تستغرقه هذه العقاقير لتسبب فقدان الوعي، والأهم: كيف يمكن أن تبدو الوفاة وكأنها حادث طبيعي؟

 

بالمناسبة، قضية المرأة الكورية لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبقتها عدة حوادث في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي فجر عدة أسئلة قانونية واجتماعية مهمة حول مسؤولية الشخص الذي يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات تساعده في القتل؛ هل يتحمل المستخدم وحده المسؤولية؟! أم أن المسؤولية تكون مشتركة بين المجرم والتطبيق ومن خلفه مالك المنصة؟!

 

والقضية الأهم هي ضرورة وضع حدود أخلاقية تمنع تحول التكنولوجيا إلى شريك صامت في الجريمة.