تحويل النفايات الإلكترونية إلى تكنولوجيا متقدمة: دراسة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

تطرح دراسة دولية بقيادة الدكتور تامر شعيب، أستاذ الكيمياء بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والمنشورة في دورية "نيتشر سينسورز" Nature Sensors، رؤية مبتكرة لمفهوم النفايات، إذ تسلط الضوء على إمكانية تحويل الإلكترونيات المُهملة والمخلفات الصناعية والبلاستيك إلى مواد متقدمة تُستخدم في تصنيع الجيل القادم من أجهزة الاستشعار.تشير الدراسة إلى أن  التزايد المستمر في حجم النفايات عالميًا يشكل ثروة هائلة لم تُستغل بالشكل الأمثل بعد في خدمة التقنيات الحديثة.

يُنتج العالم نحو 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية والصناعية سنوياً، في وقت يتجاوز فيه نمو النفايات الإلكترونية والصناعية في العالم جهود إعادة التدوير بخمس مرات. غير أن هذه "النفايات" تشكل منجماً ثرياً بالمعادن، والبُنى الكربونية، والعناصر النادرة اللازمة لتطوير أجهزة استشعار متقدمة؛ وهي تقنيات يُعول عليها عالمنا القائم على البيانات في قطاعات حيوية تشمل الصحة، والبيئة، وأمن الغذاء.

أوضح الدكتور شعيب، الباحث الرئيسي والمراسِل للورقة البحثية: «تتعامل العقلية السائدة مع النفايات بوصفها عبئاً في نهاية دورة حياة المنتج. غير أن هذه النفايات تتضمن في جوهرها موادّ مُكرّرة ومُعالجة ومُهيكلة عبر عمليات تصنيع سابقة؛ ولذا، بدلاً من استنزاف الموارد عبر التنقيب في باطن الأرض، يمكننا استخلاصها مباشرة من المكبات لتطوير أجهزة استشعار لا تقتصر ميزتها على الفعالية العالية فحسب، بل تُعدّ نموذجاً للاستدامة بذاتها.»

سلّط فريق البحث الضوء على إنجازات بارزة ضمن محورين رئيسيين: تقنيات تحويل النفايات إلى مواد قيّمة، وتطوير أجهزة استشعار تعتمد على هذه المواد. وقد أتاحت هذه التطورات -على سبيل المثال- الكشف المتزامن عن تركيزات متناهية الصغر من المعادن السامة كالرصاص والكادميوم والزئبق في عينات مياه الصرف الصحي؛ وهو ما أثبتته دراسةٌ لمجموعة شعيب البحثية نُشرت في دورية npj Clean Water (مارس 2026). كما مهدت هذه التطورات الطريق لابتكار أجهزة استشعار قابلة للارتداء لرصد المؤشرات الحيوية، مثل الجلوكوز واللاكتات، مما يعكس الإمكانات الواعدة للمواد المستخلصة من النفايات.

لا تتوقف آفاق هذه التقنيات عند حدّ الرصد البيئي؛ إذ يطرح الباحثون رؤيةً لمنظومة دائرية متكاملة تقوم على إنشاء مراكز محلية لإعادة تدوير النفايات وتحويلها إلى مواد تدخل في تصنيع أجهزة استشعار تُلبّي احتياجات الصحة العامة، والزراعة، والسلامة الصناعية. وتتوج هذه المنظومة بتصميم مستشعرات قابلة للتحلل الآمن أو لإعادة التدوير مجدداً فور انقضاء عمرها التشغيلي.

أوضح الدكتور شعيب: «لا يكمن الابتكار الحقيقي في مجرد إحلال المواد المعاد تدويرها محل المواد الخام، بل في بناء منظومة مغلقة تُشكل فيها النفايات الركيزة الأساسية لتصنيع مستشعرات تُعيننا على مراقبة كوكبنا وحمايته.»

جدير بالذكر أنه شارك في الدراسة باحثون من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وجامعة نيو ساوث ويلز في أستراليا، والمعهد الكاتالوني لعلوم النانو وتكنولوجيا النانو، والمؤسسة الكاتالونية للبحوث والدراسات المتقدمة في إسبانيا، وجامعة كاليفورنيا سان دييجو في الولايات المتحدة الأمريكية.

أكد الدكتور شعيب أن تحقيق الاستفادة القصوى من التقنيات القائمة على المواد المستخلصة من النفايات يقتضي تكامل الجهود بين صناع القرار والقطاع الصناعي والمجتمع. كما حثّ على سنّ سياسات ومعايير تحفيزية تشجع على اعتماد الإلكترونيات وأجهزة الاستشعار المصنعة من مواد معاد تدويرها، بالتوازي مع ضخ الاستثمارات لتأسيس مرافق محلية قادرة على تحويل المخلفات إلى موارد ذات قيمة مضافة.

كما شدد على ضرورة تغيير الرؤية الصناعية تجاه النفايات؛ فلا يُنظر إليها كعبءٍ يُراد التخلص منه، بل كمورد استراتيجي للمواد الخام الكفيلة بدعم تقنيات المستقبل. كما نوّه بالدور المحوري للمستهلكين في تحفيز الطلب على المنتجات المستدامة عبر تبني ممارسات واعية وإعادة تدوير مسؤولة.

واختتم شعيب قائلًا: "هدفنا في نهاية المطاف هو الانتقال من النموذج الخطي القائم على الاستخراج والتصنيع والتخلص إلى علاقة أكثر عدالة واستدامة مع عالمنا، بحيث تصبح النفايات نفسها الأداة التي تساعدنا على مراقبة صحة كوكبنا، وتجسد في الوقت ذاته قدرتنا على تجديده."