جرمين عامر تكتب: الاحتياط واجب.. بشويش .. مظاهرة رجالي ضد العنف الرقمي

چرمين عامر – عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر

چرمين عامر – عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر

في مشهد يستدعي الانتباه والدهشة ..

حشود من الرجال مجتمعين في مظاهرة كبيرة ..

رجال، من مختلف الأعمار، شباب ومراهقين، كهول وصبية.  

خرجوا .. إلى الشوارع والميادين، مرتديين .. اللون "الأورنج" الموحد.

وقفوا جميعا .. في صمت .. دون هتافات، فقط نظرات من الضعف والخزيان.  

حاملين ... في أيديهم، لافتتات مكتوب عليها باللون الأحمر:

"الحقونا" .. "بشويش على الرجالة" .. "نريد حقوقنا الرقمية" .. "نطالب بالمساواة مع النساء" "حماية للرجال حق مشروع" .. "اعيدوا .. لنا كرامتنا الانسانية".   

 

والمدهش !! أن هؤلاء الرجال المشاركين في المظاهرة، من مفتولي العضلات، الأقوياء، والمشاهير، يطالبون بالمساواه مع النساء في مواجهة التنمر والإبتزاز والتشهير الرقمي.  بعد أن عانوا لسنوات طويلة من العنف الرقمي سواء من خلال التهديدات أو الملاحقة في حياتهم المهنية والشخصية.

 

قد يكون الأمر .. مفاجأة لك عزيزي القارئ !!

وقد تكون أحداث المظاهرة الرجالي الصامتة من نسج خيال الكاتبة !!

ولكنها حقيقة .. وواقع أليم، يعايشه .. عدد من الرجال حول العالم، حتى الأقوياء منهم، سقطوا ضحايا في عالم الجريمة الإلكترونية عبر لوحة مفاتيح ووصلة إنترنت.  

ليجدوا .. أنفسهم وقد أصابهم عار الفضيحة.  فاختبئوا .. خلف شاشات الكمبيوتر، وسارعوا .. بتغيير كلمات السر، أو حذف الحسابات في صمت رهيب، خوفا .. من أن يسمع أحد عن تعرضهم للتنمر الإلكتروني، ابتزاز، أو العنف الرقمي.

 

رغم إن الثقافة العامة تربط العنف الرقمي دائما بالنساء، إلا أن العالم الرقمي دائما ما يأتي بمفاجآت تربك الواقع وتفرض علينا التعامل معها. 

 

فالرجال، أيضا يواجهون .. أشكالا متعددة من العنف الرقمي، إلا أنهم نادرا ما يتحدثون عنه.  وذلك راجع لأسباب إجتماعية وثقافية، تتعلق بالصورة الذهنية والنمطية للرجل خاصة الشرقي الذي لا يشتكي مهما كانت الظروف. 

 

والأرقام لا تكذب ولا تتجمل، فعدد سكان الكوكب الارضي، حوالي 8.2 مليار نسمة، منهم حوالي 4.14 مليار رجل، ونحو 4.09 مليار امرأة، 77٪ من الرجال يستخدمون الإنترنت مقابل 71٪ من النساء، وفقا لتقارير Kaspersky وUN Women. 

 

أما إحصائيات العنف الرقمي، فمرعبة، لأن حوالي 40٪ من الرجال، من مستخدمي الإنترنت، أبلغوا عن تعرضهم للعنف الرقمي في صور ملاحقات رقمية أو ابتزاز مالي.  وهذا يعني ببساطة، أن شخص من بين كل 5 اشخاص يتعرض للعنف الرقمي.

 

السؤال هنا !! ماذا يعني العنف الرقمي (Digital Violence)؟

هو سلوك عدائي يتم عبر الوسائط الرقمية مثل : الإنترنت، الهواتف الذكية، أو منصات التواصل الاجتماعي، ويهدف إلى إيذاء الشخص نفسيا أو اجتماعيا أو حتى اقتصاديا.  ويعتبر امتداد للعنف التقليدي، لكنه يحدث في الفضاء الإلكتروني، ويزداد خطره كل لحظة، بسبب سهولة وسرعة انتشاره، وايضا صعوبة ملاحقته.

 

اتفهم !! أن النساء أكثر عرضة للعنف الرقمي من الرجال.   لهذا فهن يتلقين الدعم والتضامن المجتمعي والدولي، بينما يوصم الرجال خاصة في المجتمعات الشرقية والمنغلقة بالضعف وقلة الحيلة إذا اشتكوا.  على الرغم من أن العنف الرقمي للرجال هو رحلة مليئة بالابتزاز النفسي، الضغوط الاجتماعية، وفقدان الخصوصة تأخذ عدة أشكال:

  1. الابتزاز الإلكتروني والمالي - خاصة اذا كان الرجل شخصية مرموقة ويتولى وظيفة قيادية أو لديه حسابات مالية كبيرة.  فيتلقى رسائل تهديد بنشر معلومات حساسة ما لم يدفع أو يرضخ للمطالب.

 

  1. انتحال الشخصية والتشهير – عبر فتح حسابات مزيفة باسم الرجل، نشر معلومات مهنية أو شخصية مضللة عنه، مما يتسبب في خسائر اجتماعية أو مهنية.

 

  1. الملاحقة الرقمية (Cyberstalking) – حيث يتعرض الرجال لملاحقة مستمرة عبر الإنترنت وتتبع لنشاطاتهم، جمع معلومات عنهم، في محاولات لإبتزازهم.
  1. العنف المضاد - بعض الرجال يلجأون للرد الهجومي عبر الإهانات والتعليقات الحادة، أو مواجهة المبتز، مما يزيد من خطر التصعيد الرقمي.

 

  1. التجاهل والصمت – اغلب الرجال يميلون لتجاهل العنف الرقمي، علي اعتقاد أن المشكلة لا تستحق.   وهنا تتدخل العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية التي تفرض عليهم الصمت بالاكلاشيهات المعتادة "انت راجل .. لازم تستحمل".

 

ولان العنف الرقمي جريمة تنتشر سريعا في دهاليز عالم الفضاء الالكتروني، فقد وضعت العديد من الدول قوانين عامة لمكافحة الابتزاز الالكتروني والتنمر واختراق الخصوصية والتشهير مثل قوانين Cyber-bullying Law في أمريكا وOnline Safety Act في بريطانيا.

 

أما الوطن العربي، فقامت دولة الإمارات بسن قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية 2021 .  وكذلك قامت السعودية بفرض نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.   وفي الأردن يوجد قانون الجرائم الإلكترونية.   ومصر كانت من اوائل الدول التي وضعت قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لعام 2018.

 

محاصرة العنف الرقمي .. قضية انسانية في المقام الأول لأنها تمس خصوصية الانسان في عالم رقمي مباح فيه اي شئ.  والحل ليس في الصمت، ولا في العنف المضاد، ولا في الخروج في مظاهرة صامته، ولا حتي في سن القوانين والأحكام، بل في وعي مجتمعي شامل وإجراءات تتبع للإبلاغ المبكر، والاحتفاظ بالأدلة، وطلب المساعدة

 

يمين الصفحة
شمال الصفحة