في ظل التحركات الدبلوماسية المتسارعة بين واشنطن وطهران للبحث عن مخرج للأزمة المتصاعدة، يظل ملف «مصير اليورانيوم الإيراني» هو العقبة الأبرز أمام أي اتفاق محتمل، إذ يُنظر إليه باعتباره المعيار الحقيقي لبناء الثقة بين الجانبين.
ملف اليورانيوم الإيراني
فبعيدًا عن التصريحات السياسية والتفاهمات الجزئية، يدور الخلاف حول أسئلة محورية لا تزال بلا إجابات واضحة: أين يوجد المخزون الإيراني من اليورانيوم؟ وما هي نسب تخصيبه الحالية؟ وكيف يمكن التعامل معه دون التسبب في سباق تسلح نووي جديد في المنطقة؟
وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن هذا الملف أصبح نقطة الارتكاز الأساسية في أي مفاوضات، خاصة مع استمرار الغموض حول حجم المخزون ومكان تخزينه بعد الضربات العسكرية الأخيرة، إلى جانب توقف عمليات التفتيش الدولية.
مخزون غير واضح بعد الحرب
وبحسب بيانات سابقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت إيران تمتلك قبل حرب 2025 نحو 441 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب من المستوى المستخدم في تصنيع السلاح النووي، إضافة إلى كميات أخرى بدرجات تخصيب أقل.
لكن بعد العمليات العسكرية الأخيرة، بات مصير هذا المخزون غير معروف، في ظل غياب الرقابة الدولية، وفق ما نقلته تقارير إعلامية دولية، من بينها “فرانس برس”.
كما أشارت مصادر غربية إلى احتمالات قيام إيران بنقل أو إخفاء جزء من مخزونها في مواقع سرية قبل الحرب، خصوصًا مع تقييد وصول المفتشين الدوليين إلى بعض المنشآت في فترات سابقة.
وتذهب تقديرات استخباراتية إلى أرقام مختلفة عن تلك التي أعلنتها الوكالة الدولية، ما يزيد من حالة الغموض ويعقد فرص التوصل إلى اتفاق.
عودة المفتشين شرط أساسي
وتؤكد مصادر دبلوماسية أوروبية أن استئناف عمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية داخل إيران يمثل شرطًا رئيسيًا قبل أي اتفاق، إذ إن غياب الرقابة يجعل التحقق من حجم المخزون ومستوى التخصيب أمرًا شبه مستحيل.
وتوضح التقديرات أن اليورانيوم المخصب بنسبة تتجاوز 20% لا يُستخدم للأغراض المدنية، حيث يكفي تشغيل المفاعلات السلمية بنسب تتراوح بين 4% و5% فقط.
وبناءً على ذلك، ترى الولايات المتحدة ودول أوروبية أن ارتفاع نسب التخصيب يعزز المخاوف من وجود أهداف عسكرية، وهو ما تنفيه طهران بشكل مستمر.
خيار نقل اليورانيوم للخارج
في سياق البحث عن حلول، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فكرة موافقة إيران على تسليم ما وصفه بـ“الغبار النووي”، في إشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصب.
ويتضمن أحد السيناريوهات نقل هذا المخزون كليًا أو جزئيًا إلى دولة ثالثة، على غرار ما حدث في الاتفاق النووي لعام 2015، حيث أبدت روسيا استعدادها لاستقبال اليورانيوم الإيراني داخل أراضيها.
إلا أن هذا الخيار يواجه صعوبات أكبر حاليًا مقارنة بالماضي، بسبب تغير التوازنات السياسية وزيادة حجم المخزون.
وفي المقابل، طرحت طهران خيار خفض نسب التخصيب داخل أراضيها، وهو ما قد يقلل من حدة المخاوف إذا تم تحت إشراف دولي مباشر وبنسب لا تتجاوز 5% بحسب مقترحات خبراء.
خلافات جوهرية تعرقل الحل
ورغم تعدد المقترحات، يبقى الخلاف الأساسي قائمًا حول آلية التنفيذ والرقابة، إذ تطالب واشنطن بوقف كامل لعمليات التخصيب، بينما تعتبر إيران أن ذلك “خط أحمر” لا يمكن التنازل عنه.
كما لا يزال الجدل مستمرًا حول الجهة التي ستشرف على تنفيذ أي اتفاق، سواء الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو خبراء دوليون آخرون.
وتشير تقديرات أوروبية إلى أن أي اتفاق محتمل لن يكون نهاية للأزمة، بل بداية لمسار تفاوضي طويل يهدف إلى وضع قيود دائمة على البرنامج النووي الإيراني.
ويجمع الخبراء على أن المعرفة النووية الإيرانية باتت أمرًا واقعًا لا يمكن محوه، لكن يمكن احتواؤها عبر آليات رقابية واتفاقات دولية تحد من نطاق استخدامها.



