جرمين عامر تكتب: الاحتياط واجب "بيزنس الميم "

چرمين عامر – عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر 

چرمين عامر – عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر 

في مشهد من فيلم "فتاة الاستعراض" إنتاج عام 1969، لأيقونة السينما المصرية سعاد حسني والفتى الشقي حسن يوسف، الذي يجسد فيه دور الشاب الأرستقراطي الغني، الذي أحب البطلة، وقرر أن يلفت انتباهها بالمال تارة، وبخفة الدم تارة أخرى.

ولأنه لا يملك موهبة خفة الظل وسرعة البديهة، فقرر أن يشتري نكتة من الأستاذ ظريف، المتخصص في بيع النكت في هذا الوقت.

لتظهر واحدة من أقدم صور بيزنس "الميم" أو صناعة الفكاهة، والتي تتداول النكتة كسلعة تُباع وتُشترى لمن يدفع الثمن.

ما فعله الفنان حسن يوسف في أواخر الستينيات، يفعله الآن صناع "الميم" على منصات السوشيال ميديا، وأشهرها منصة إنستجرام وتيك توك ويوتيوب، عن طريق استخدام صناعة الإفيه أو النكتة وتداولها كعملة وأصل رقمي من أجل التريند وجذب الانتباه السريع والربح.

بيزنس الميم Memes Economy أصبح وحدة اقتصادية قائمة بذاتها، تتحرك داخل سوق صناعة المحتوى لتحقيق أسرع وأقوى معادلة تأثير جماهيري. تُستخدم كأداة ترويجية منخفضة التكلفة عالية التأثير، لصياغة الذوق العام وتناول القضايا اليومية، سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، بلغة ساخرة يفهمها جيل Z ويتقن خوارزمياتها جيل ألفا جيدًا، فضلًا عن كونها محفزًا لقرارات شراء الجمهور، وتقييم العلامات التجارية، وإعادة تشكيل القوى الاحتكارية المتحكمة في السوق.

فالميم اليوم لغة اجتماعية مختصرة، تضحك الجمهور، ثم تقنعه، ثم تعيد تشكيل وعيه واحتياجاته دون أن يشعر.

وتشير المؤشرات إلى أن اقتصاد صناعة المحتوى يتجاوز 250 – 300 مليار دولار عالميًا، وفقًا لتقرير جولدمان ساكس Goldman Sachs الذي نُشر في 2023، وأن من 10 - 20% من اقتصاد صناعة المحتوى يعتمد على ثقافة "الميم" أو السخرية والفكاهة. كما أكد تقرير ماكينزي آند كومباني McKinsey & Company أن عدد صناع المحتوى وصل إلى 200 مليون شخص عبر المنصات المختلفة.

والمؤكد أن صناعة محتوى "الميم" أصبحت مربحة، فهناك صفحات كاملة تُبنى على السخرية بملايين المتابعين، وإعلانات لشركات وعلامات تجارية تُبث من أشهرها: إيجيبتشين ميم Egyptian Memes، فضلًا عن ظهور العديد من المؤثرين وصناع المحتوى الذين تخصصوا في هذه الصناعة مثل: البلاتفورم، وأحمد أمين، ومحمد حلمي.
الميم اليوم يُعتبر أصلًا قابلًا للتداول داخل عوالم الميتافيرس وNFT، كما يمكن امتلاك نسخة أصلية منه، خاصة بعد تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مذهل، لتتحول الميم إلى أصل بملكية رقمية.

أكبر صفقة تمت للميم أو الفكاهة في تاريخ السوشيال ميديا كانت لـ Disaster Girl، صاحبة صورة Zoe Roth، التي كانت تبتسم أمام منزلها وهو يحترق في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أُعيد بيع هذه الصورة في عام 2021 بحوالي 500,000 دولار. لحظة عفوية من طفلة تحولت إلى أصل رقمي يُباع بمئات الآلاف من الدولارات على منصات السوشيال ميديا.

كذلك العلامة التجارية Doge، التي أسست عملة رقمية باسم Dogecoin، وصلت قيمتها السوقية إلى مليارات الدولارات، وأيضًا علامة Grumpy Cat التجارية، والمتخصصة في إنتاج الأفلام وحقوق النشر والبث.

بالتأكيد نحن أمام تحول واضح في مستقبل اقتصاد صناعة المحتوى بمختلف فروعه، من محتوى سريع إلى أصل رقمي قابل للتداول، وبالأخص صناعة "الميم" من تقنية الضحك اللحظي إلى قيمة مالية قابلة للقياس من حيث الانتشار وحجم التفاعلات وقرارات الشراء.

لهذا علينا أن ندرك جيدًا:
 من يصنع الميم؟! ومن يملك حقوق بثه؟!

فتح الصورة

فتح الصورة