چرمين عامر – عضو إتحاد الإعلاميين العرب
قد يتصور بعض المؤثرين وصناع المحتوى،
أن هناك حالة "ثأر" بين منصات السوشيال ميديا وبين منشوراتهم.
كالثأر الموجود في صعيد مصر، المرتبط بمفهوم الكرامة ورد الاعتبار عند القتل.
فالمنصات، في ظنهم، تبخل على منشوراتهم بأرقام التوزيع التي تليق بقيمتهم الرقمية.
وقد يتمادى البعض في تلك التصورات، فتنتابه حالة نفسية تتحول مع الوقت إلى ما يشبه المرض، مقتنعًا بأن المنصات تحاربه بشكل شخصي.
فيعيش أجواء معركة رقمية، تدق فيها طبول الحرب داخل رأسه، وتشتعل نيران الشكوك بسيل من التساؤلات: تبدأ بالتساؤل عن المحتوى؟ وتوقيت النشر؟ أم أن قلة التوزيع
بسبب الجمهور نفسه الذي عزف عن الاهتمام بالمنشورات؟ أم أن الخوارزمية غضبت وقررت أن تحرم المنشورات من فرصة التوزيع؟!
وتبدأ حالات الإحباط والتوتر.
لدرجة أن كثيرًا من الإنفلونسر وصناع المحتوى أصبحوا يطلبون العلاج من إدمان نجومية السوشيال ميديا.
والبعض الآخر تحول من الإبداع المعرفي أو الترفيهي ذي القيمة إلى عبد يحمل كفنه ويقدمه قربانًا لرضا الخوارزمية، حتى تمنحه حق الظهور.
ولكن حقيقة الأمر أن الخوارزميات لا تفهم سوى لغة الأرقام.
فالخوارزميات ببساطة هي العقل الرقمي الخفي الذي يدير حركة المحتوى على منصات السوشيال ميديا، وهي مجموعة معقدة من المعادلات والأوامر البرمجية، مهمتها
الأساسية ليست تحقيق العدالة ولا مكافأة الأكثر اجتهادًا أو موهبة، بل اختيار المحتوى القادر على خطف انتباه المستخدم لأطول وقت ممكن.
فالخوارزمية لا ترى الإنسان خلف الشاشة، ولا تعرف ظروفه أو تاريخه أو حجم تعبه.
كل ما تدركه أرقام تتحرك، ونسب مشاهدة، ومدة بقاء، وتعليقات، ومشاركات، وحفظ، أو تمريرة سريعة للفيديو التالي، لتعلن نهاية الفرصة الرقمية لمنشور كان صاحبه يظن أنه سيغير العالم.
خوارزميات المنصات لا تهتم بقدر جهد الإنفلونسر أو صانع المحتوى، أو بعدد الساعات التي قضاها في التصوير للريل والستوري، أو بالمجهود الكبير الذي بُذل في إعداد المحتوى، أو بكيفية كتابة الهوك Hook أو الكابشن Caption، الذي أصبح علمًا يُنظم له ورش عمل متخصصة.
الخوارزميات بلا عاطفة.
لا تراعي العِشرة الطويلة أو التاريخ،
ولا حتى أمجاد التريندات السابقة أو الـBio الخاص بالإنفلونسر وصانع المحتوى.
لأن ذاكرتها كالسمكة، لا تتذكر تريند الأمس.
وتتعامل مع كل منشور وكأنه متسابق جديد يدخل حلبة "الروليت" لأول مرة، ليجرب ماكينة الحظ الرقمية، غاية همه الفوز بنسبة مشاهدات أعلى من الآخرين.
مرة يربح، ومرة يخسر، أو ينتظر دوره في طابور المحظوظين بنعمة الحياة الرقمية.
فتحولت المشاهدات من مجرد أرقام صامتة إلى محكمة يومية لتقييم القيمة الإنسانية والنجاح والشهرة. إذا ارتفعت المشاهدات شعر الإنفلونسر أنه محبوب وناجح ومؤثر،
جرعة من الدوبامين عالية المفعول تدب في جسده.
أما إذا انهارت الأرقام أو ضعفت، بدأ الشك يفترسه، والخوف من أنها قد تكون النهاية؟!
وفي دراسة نشرها موقع Digital Information World عام 2025، أكدت أن 62% من المؤثرين وصناع المحتوى يعانون من الاحتراق النفسي، كما أن 65% منهم أصبحوا
مهووسين بمتابعة أداء المحتوى وأرقام المشاهدات والـReach بشكل مستمر.
والأخطر!!
أن 58% من الإنفلونسر وصناع المحتوى ربطوا بين تقديرهم الشخصي لأنفسهم وبين نجاح أو فشل منشوراتهم ومدى انتشارها على منصات السوشيال ميديا.
الحقيقة!!
أن حكم منصات السوشيال ميديا ليس عادلًا، لأنه مبني على أرقام ومؤشرات اقتصاد المحتوى، أو اقتصاد "شد الانتباه" باللغة الدارجة، لاستعراض القدرة والذكاء في إبقاء المستخدم لأطول فترة ممكنة، بصرف النظر عن نوعية المحتوى المُقدم.
ولهذا فإن عبارة "المحتوى الجيد يفرض نفسه" لم تعد وصفًا دقيقًا لعصر اقتصاد شد الانتباه.
فالخوارزميات لا تكافئ بالضرورة الأفضل، بقدر ما تكافئ الأكثر قدرة على إبقاء العين مفتوحة والشاشة ثابتة




