جيرمين عامر عضو اتحاد الإعلاميين
بقلم: چرمين عامر – عضو النقابة العامة لإتحاد العرب
في أمثالنا الشعبية، حكمة استطاعت أن تصمد وتعيش علي مدار الزمن، حتي في عصر التكنولوجيا، ما زالت قادرة على تفسير الكثير من مفارقات الذكاء الاصطناعي.
من أشهر الأمثال الشعبية المصرية مثل قديم يقول: "الحذر .. لا يمنع قدر"،
لكن ربما يحتاج .. هذا المثل إلي "كمالة" باللهجة الشعبية الدارجة ليتواكب مع عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والذي يزداد إعتمادنا عليها وتتنامي ثقتنا فيها يوم بعد يوم، والكمالة تقول: إن الثقة العمياء في التكنولوجيا لا تمنع الخطر، ولا تعطي مزيد من الآمان أو تحارب المخاطر التي قد نتعرض لها.
وإليك عزيزي القارئ، احد ابرز القصص، التي بنيت عليها سيل من البلاغات عام 2016 في امريكا بلد التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ففي صباح يوم هادئ، كانت ام شابة ترتب غرفة طفلها الأول بكل حب وحنان. علقت الألعاب الملونة فوق سريره، ووضعت بطانيته الصغيرة بعناية. بينما كان الأب، يثبت جهاز مراقبة فوق سرير المولود الجديد.
ابتسم الوالدان لأنهم اخيرا، يستطيعون أن يطمئنوا علي طفلهم، حتي وهو نائم وحدة في غرفته، فالتكنولوجيا العظيمة أهدتهم وعد بالراحة والرفاهية، وأوجدت لهما الحل السحري للإطمئنان علي الصغير علي مدار الساعة.
ومع مرور الأيام، أصبحت شاشة جهاز المراقبة جزء من طقوس حياة الأسرة اليومية، لمراقبة أنفاس الصغير وحركاته.
وفجاة !! ودون سابق انذار،
وصل الأب رسالة قصيرة من الشركة المصنعة لجهاز المراقبة مكتوب فيها : عزيزي العميل يرجى التوقف .. عن استخدام جهاز لوريكس بيبي مونوتور Lorex Baby Monitor وإعادته فورا لأقرب مركز خدمة.
علي الفور، توجه الأب منزعج الي أقرب مركز خدمة. وجد طابور طويل من الاباء امثاله، وصلتهم نفس الرسالة، جائوا جميعا يتسائلون عن السبب؟.
عرف الاب، أن هناك سلسة من البلاغات المتكررة عن إرتفاع درجة حرارة بطارية الجهاز وانتفاخها، الأمر الذي قد يشكل خطر على المستخدمين من الاسر. فقد أعلنت لجنة سلامة المنتجات الاستهلاكية الأمريكية عام 2016 استدعاء آلاف أجهزة لوريكس بيبي مونوتور. وذلك بعد تلقي 488 بلاغ عن إرتفاع حرارة البطاريات أو انتفاخها، وهو ما قد يؤدي الي انفجار في البطارية والتعرض للانفجار والحروق.
وبعد عامين، تكرر المشهد مع 328 بلاغ إضافي بسبب نفس المشكلة، وفقا لهيئة الأمم المتحدة لسلامة المنتجات United State Consumer Product Safety Commission (CPSC) ورغم عدم تسجيل آي إصابات أو وفيات، إلا أن الواقعة تستحق التأمل من ثلاث أبعاد:
البعد الاول : امانة الشركة المصنعة، وشفافيتها في الإعتراف بوجود خلل ما في منتجاتها من أجهزة مراقبة الاطفال، والإعلان عنه بكل شفافية، مع محاوله إصلاحه تقديرا لعملائها.
البعد الثاني : استجابه منظومة سلامة المستهلك الامريكية، وتحركها الفوري، لجمع البلاغات وتحليلها، وإستدعاء المنتج من الأسواق، وتحذير المستهلكين قبل أن تتحول المشكلة إلى مأساة إنسانية يروح ضحيتها عدد من الاسر.
أما البعد الثالث : يكمن في تزايد ثقتنا وإعتمادنا الكبير كبشر خاصة الأجيال الجديدة من جيل Z وجيل الفا علي التكنولوجيا والاجهزة الذكية، بإعتبارها معصومة من الخطا، وواصية علي حياتنا وحياة أطفالنا وأباءنا فهي بالنسبة لنا رمز للأمان.
وذلك علي الرغم من معرفتنا الأكيدة بأن التكنولوجيا لا تعرف المشاعر، ولا تتحمل المسؤولية لاي قرار إنما هي منقذ جيد لما نمليه عليها حتي الان.
لقد اشترى الأبوان جهاز مراقبة الطفل ليطمئنا عليه، لكن المفارقة أن الجهاز نفسه أصبح بحاجة إلى من يراقبه.
وهنا تتغير .. الزاوية
فالتكنولوجيا ليست الحارس الامين، انما أداة تتوقف قيمتها على جودة التصميم، وشفافية الشركة المصنعة، ووعي ويقظة المستخدمين.
لهذا فالحذر .. لا يمنع قدر أو يؤخره، إنما وعي وإحتياط الانسان هو واجبه ومسئوليته.







