تتسع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية في عدد من الدول الأوروبية، مدفوعة بمطالب تحسين الأجور وتوفير السكن وتطوير التعليم والخدمات العامة، وسط خلافات بشأن السياسات المالية وأولويات الإنفاق الحكومي. وبينما تتباين أسباب التحركات في فرنسا والبرتغال وبلجيكا وإيطاليا وألبانيا، تتزايد حدة التوتر في بعض المناطق مع اندلاع مواجهات بين المحتجين وقوات الأمن ووقوع أعمال تخريب.
وتكشف التحركات عن تداخل الأزمات المعيشية مع الخلافات حول الموازنات العامة والضرائب والإنفاق على الخدمات الاجتماعية والاستثمار، في وقت تتصاعد فيه مطالب فئات مختلفة بتحسين ظروف الحياة وتعزيز قدرتها الشرائية.
ويرى الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية حسام شاكر أن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أسهم في انتقال بعض الاحتجاجات من مطالب فئوية محددة إلى تحركات أوسع، مشيرًا إلى أن طريقة تعامل الحكومات معها ستؤثر في مسارها خلال الفترة المقبلة.
من جانبها، تربط شهد الحموري، أستاذة القانون الدولي بجامعة كنت في المملكة المتحدة، الاحتجاجات بالتزامات الدول تجاه الحقوق الاقتصادية والسياسية للمواطنين، مؤكدة أهمية معالجة أسباب الغضب واللجوء إلى الحلول السلمية.
فرنسا.. الغضب من الموازنة والوقود وأزمات التعليم
في فرنسا، قدّر الاتحاد العام للعمل «سي جي تي» عدد المشاركين في احتجاجات السبت بنحو 800 ألف شخص، في تحركات تداخلت فيها المطالب المعيشية والطلابية مع الاعتراض على مشروع موازنة عام 2027.
وبحسب بيان أصدره حزب «فرنسا الأبية» في 15 أكتوبر، بدأت الدعوات إلى الاحتجاج من مواطنين يعترضون على ارتفاع أسعار الوقود، قبل أن تنضم إليها اتحادات نقابية ومنظمات طلابية.
وشملت المطالب الطلابية نقص العاملين واكتظاظ الفصول الدراسية والمشكلات التي تواجه المؤسسات التعليمية، وفق بيان سابق للاتحاد العام للعمل.
وعقب مظاهرات السبت، دعا الاتحاد إلى زيادة الأجور والمعاشات والمساعدات الاجتماعية، والاستجابة لمطالب الشباب، رافضًا إجراءات مالية يرى أنها قد تزيد الضغوط على الخدمات العامة.
في المقابل، تتضمن موازنة العام المقبل إجراءات لضبط المالية العامة بقيمة 54 مليار يورو، بهدف خفض العجز إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية.
وتدافع الحكومة عن مشروع الموازنة باعتباره يستهدف ضبط الإنفاق مع الحفاظ على الأولويات، في ظل ارتفاع أعباء الدين، بينما تطالب النقابات بمساهمة أكبر من أصحاب الثروات والشركات في تحمل الأعباء المالية.
وعلى صعيد آخر، شهدت الاحتجاجات أعمال نهب وتخريب، دفعت بلدية باريس إلى التأكيد، مساء السبت، أن هذه الممارسات «يجب ألا تُخلط بأي حال بتعبئة الغالبية العظمى من المتظاهرين» الذين خرجوا بصورة سلمية.
ووصف رئيس البلدية إيمانويل غريغوار أعمال العنف بأنها تصرف الانتباه عن مطالب الشباب، معلنًا تعبئة خدمات البلدية لإصلاح الأضرار.
أزمات متراكمة وراء اتساع دائرة الاحتجاج
وفي قراءته للمشهد الأوروبي، يضع حسام شاكر أزمات السكن والتعليم والبنية التحتية وجودة الرعاية الصحية ضمن أبرز العوامل التي تغذي الغضب الشعبي، إلى جانب ما يراه اختلالًا في أولويات الإنفاق الحكومي.
وأوضح شاكر، في حديث لوكالة الأناضول من فيينا، أن زيادة الإنفاق العسكري والدفاعي والأمني تثير تساؤلات بشأن قدرة الحكومات على تلبية الاحتياجات الاجتماعية وتحمل تكاليف المعيشة.
وأشار إلى أن الاحتجاجات قد تبدأ بمطلب محدد تتبناه فئة بعينها، ثم تتسع مع انضمام فئات أخرى ترى أن لديها مشكلات مشابهة، مستشهدًا بالتحركات الطلابية في فرنسا وما أعقبها من اتساع المشاركة.
وأضاف أن تعدد القضايا المطروحة، من الأجور إلى السكن والتعليم والخدمات، قد يحول الاحتجاجات المحدودة إلى تحركات اجتماعية أوسع.
ويأتي السكن في مقدمة هذه الملفات، إذ وصفه شاكر بأنه «معضلة حقيقية» في بعض الدول الأوروبية، لافتًا إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة يمثل عامل ضغط إضافيًا، بسبب انعكاسه على أسعار السلع والخدمات.
كما اعتبر أن الاحتجاجات الفرنسية ترتبط بموجات غضب سابقة، من بينها حركة «السترات الصفراء»، التي انطلقت في نوفمبر 2018 رفضًا لزيادة الضرائب على الوقود، في إطار خطة التحول البيئي، مشيرًا إلى أن بعض جذور التوتر الاجتماعي لا تزال قائمة، بينما تحد ضغوط الموازنات والسياسات التقشفية من قدرة الحكومات على الاستجابة للمطالب.
البرتغال.. فجوة بين الأجور الحكومية والمطالب النقابية
في البرتغال، تبرز الأجور وتكاليف المعيشة والسكن ضمن أبرز محاور الخلاف بين الحكومة والنقابات، مع تباين واضح بين الزيادات التي تقترحها السلطات والمطالب التي تطرحها التنظيمات العمالية.
وعند تقديم مشروع موازنة عام 2027 في 8 أكتوبر الجاري، أعلنت الحكومة عزمها رفع الحد الأدنى الوطني للأجور إلى 970 يورو خلال العام المقبل، بينما طالب الاتحاد العام للعمال بزيادته إلى 1100 يورو.
ولا تقتصر المطالب النقابية على الحد الأدنى للأجور، بل تشمل زيادة عامة للأجور بنسبة 15%، وبقيمة لا تقل عن 150 يورو.
وفي حين تعرض الحكومة التخفيضات الضريبية وزيادات أجور موظفي الإدارة العامة باعتبارها أدوات لتحسين دخول الأسر وتعزيز الخدمات، تدعو النقابات إلى إجراءات أوسع لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.
وانعكست هذه الخلافات في مظاهرات شهدتها السبت مدن لشبونة وبورتو وكويمبرا، بمشاركة آلاف العمال، وفق الاتحاد العام للعمال.
وخلال مظاهرة لشبونة، تساءل الأمين العام للاتحاد تياغو أوليفيرا عن قدرة المواطنين على تدبير احتياجاتهم براتب يبلغ ألف يورو، في ظل إيجارات تتراوح بين 800 و900 يورو، إلى جانب تكاليف الوقود والسلع الأساسية، بحسب موقع الاتحاد.
وتزيد أزمة السكن من الضغوط على الأسر البرتغالية؛ إذ ارتفعت أسعار شراء المساكن في البلاد بنسبة 16.5% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بمتوسط أوروبي بلغ 4.7%، وفق مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات».
بلجيكا.. مخاوف من تراجع القدرة الشرائية وتقليص الخدمات
في بلجيكا، تتركز المطالب النقابية على حماية القدرة الشرائية للعاملين والمتقاعدين، وسط تحذيرات من تحميلهم أعباء إضافية ضمن مساعي الحكومة لمعالجة عجز الموازنة.
وشهدت بروكسل في 9 أكتوبر الجاري مظاهرة شارك فيها نحو 30 ألف شخص، من بينهم عمال وموظفون وتلاميذ وطلاب، استجابة لدعوة أطلقها تحالف من النقابات العمالية وأحزاب سياسية.
وفي بيان صدر في 11 سبتمبر الماضي، حدد الاتحاد العام للعمل «إف جي تي بي» أبرز اعتراضاته على التوجهات الحكومية، وفي مقدمتها المساس بآلية ربط الأجور بالأسعار، واحتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة، وتقليص الخدمات الصحية، وإجراء تغييرات في تنظيم ساعات العمل.
وفي المقابل، يطرح الاتحاد بدائل تتضمن زيادة مساهمة أصحاب الثروات الكبيرة وعائدات رأس المال في الإيرادات العامة، محذرًا من احتمال اللجوء إلى إضراب عام إذا تجاوزت الحكومة ما وصفه بـ«الخطوط الحمراء».
وتعكس هذه الخلافات صراعًا حول كيفية توزيع أعباء ضبط المالية العامة، ومدى تأثير الإجراءات الحكومية المحتملة على دخول المواطنين ومستوى الخدمات المقدمة لهم.
إيطاليا.. مطالب بتحسين الأجور وحماية الخدمات العامة
أما في إيطاليا، فقد جمعت الدعوة إلى مسيرة في العاصمة روما يوم 17 أكتوبر بين المطالب الاجتماعية والاعتراض على توجيه الاقتصاد نحو ما وصفه منظمو التحرك بـ«اقتصاد الحرب».
وأطلق الدعوة تحالف «الطريق الرئيسي»، الذي يضم نقابة «سي جي آي إل» وأكثر من مئة جمعية، واضعًا على رأس مطالبه زيادة الأجور، ومواجهة عدم استقرار العمل، والدفاع عن الخدمات العامة، وتطبيق نظام ضريبي تصاعدي.
وشهدت عدة مدن إيطالية، السبت، مسيرات واحتجاجات واسعة على ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار وتراجع الرعاية الصحية العامة.
وفي سياق متصل، انتقد رئيس إقليم ليغوريا ماركو بوتشي، في بيان صدر يوم 16 أكتوبر، عرض دمى وصور لرئيسة الوزراء جورجيا ميلوني ووزير التعليم جوزيبي فالديتارا مقلوبة خلال احتجاج في مدينة جنوة.
ومع تأكيده حق المواطنين في التظاهر، اعتبر بوتشي أن هذه الممارسات تجاوزت الحدود المقبولة، في إشارة إلى الجدل بشأن أساليب التعبير عن الاحتجاج وحدودها.
ألبانيا.. خلافات الاستثمار تتزامن مع مواجهات أمنية
في ألبانيا، اتخذت الاحتجاجات مسارًا أكثر توترًا، إذ شهدت العاصمة تيرانا، السبت، يومًا خامسًا من المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، بالتزامن مع مطالبات باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
وتعود بعض خلفيات التصعيد إلى الخلاف بشأن مشروعات سياحية في جزيرة سازان ومنطقة زفيرنيتس الساحلية، وما يرتبط بها من نزاعات حول ملكية الأراضي والاعتبارات البيئية وشفافية الإجراءات الحكومية.
وفي مواجهة الانتقادات، نفى راما، في بيان صدر يوم 15 يونيو الماضي، أن تكون جزيرة سازان معروضة للبيع، موضحًا أن التصور المطروح يقوم على مشاركة الدولة في الاستثمار مع احتفاظها بملكية الجزيرة.
كما أقر بوجود مطالبات متنازعة بملكية بعض الأراضي المعروضة على القضاء، مع دفاعه عن الإجراءات الحكومية والبيئية المتبعة.
وفي 3 أكتوبر، أعلن راما إطلاق منصة لنشر وثائق الملف، موضحًا أن المبادرة جاءت استجابة لاحتجاج بدأ مطلع يونيو الماضي.
ومع تجدد المواجهات، أدانت وزارة الداخلية الاعتداءات على عناصر الشرطة والممتلكات، مؤكدة أن حق التظاهر السلمي لا يبرر اللجوء إلى العنف.
وفي المقابل، أثار مقطع مصور لشاب مصاب خلال اقتياده قرب البرلمان تساؤلات بشأن تعامل عناصر الشرطة مع المحتجين، ما دفع إلى فتح تحقيق في الواقعة.
وذكرت الشرطة، في بيان، أن المقطع يظهر شابًا يبلغ 19 عامًا مصابًا في ساقه أثناء اقتياده، مضيفة أنه جرى إيقاف أربعة عناصر ومسؤول عن النظام العام عن العمل، بالتزامن مع فتح تحقيق تأديبي وآخر بالتعاون مع النيابة.
الحقوق الاقتصادية والسياسية في صلب الاحتجاجات
ترى شهد الحموري أن فهم الاحتجاجات الأوروبية يتطلب النظر إلى مسؤوليات الدول تجاه الحقوق الاقتصادية والسياسية للمواطنين، وعدم الاقتصار على التعامل الأمني مع التحركات في الشوارع.
وقالت الحموري، في تصريحات لوكالة الأناضول، إن «على الدولة واجب حماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين من خلال ضمان الحياة الكريمة والحق في التعليم لمواطنيها».
وأضافت أن التفاوت في الحصول على الخدمات، خصوصًا لدى الأسر الأقل دخلًا والأشخاص ذوي الخلفيات المهاجرة، يعكس، من وجهة نظرها، قصورًا في الوفاء بهذه الالتزامات.
وإلى جانب الحقوق الاقتصادية، أشارت إلى أهمية حماية حرية التعبير ومحاسبة السلطات، معتبرة أن هذه الحقوق تتيح للمواطنين الاعتراض عندما يرون أن الدولة لا تفي بواجباتها.
وعلى نطاق أوسع، ربطت الحموري اتساع التحركات الشبابية في أكثر من دولة أوروبية ببنية اقتصادية ترى أنها تهمش الطبقات العاملة.
وفي ما يتعلق بالتعامل الأمني، شددت على ضرورة اعتماد الوسائل السلمية، بما في ذلك التفاوض مع ممثلي المحتجين والبحث عن حلول تستجيب للمطالب المطروحة.
واعتبرت أن قمع التعبير عن المطالب قد يضيف انتهاكات للحقوق السياسية إلى أوجه القصور الاقتصادي التي يعترض عليها المحتجون، كما أشارت إلى أن عنف الشرطة يستهدف، وفق تقييمها، بصورة أكبر الفئات ذات الخلفيات المهاجرة وأبناء الطبقات الفقيرة.
وأكدت أهمية «الوصول إلى حلول سلمية لا عنيفة مع المتظاهرين»، بالتوازي مع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إلى الاحتجاج.
منصات التواصل واستجابة الحكومات تحددان مسار التصعيد
وفي تفسيره لآليات اتساع الاحتجاجات، أشار حسام شاكر إلى الدور الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في تسريع التنسيق بين المجموعات الشبابية، حتى في غياب أطر نقابية أو تنظيمية تقود التحركات بصورة مباشرة.
وأوضح أن تأثير الاحتجاجات قد يمتد إلى فئات أخرى داخل الدولة نفسها أو خارجها، لكنه حذر من أن تداول مشاهد المواجهات والغاز والأدخنة من دون سياق كافٍ قد يؤدي إلى «تشكيل صور مجتزأة عن الواقع».
وأضاف أن صور الصدامات قد تدفع بعض الأشخاص إلى الابتعاد عن المشاركة، بينما تحفز آخرين على الانضمام إلى الاحتجاجات أو التعبير عن غضبهم بصورة أكثر حدة.
وفي ما يتعلق بمستقبل التحركات، اعتبر شاكر أن استجابة الحكومات تمثل عاملًا حاسمًا، سواء من خلال سلوك قوات الشرطة أو خطاب المسؤولين أو مدى الاستعداد للدخول في حوار جاد مع المحتجين.
لكنه أشار إلى أن التفاوض قد يصبح أكثر تعقيدًا في غياب ممثلين واضحين يحظون بقبول المحتجين، قائلًا إن «غياب وجود ممثلين حقيقيين وواضحين للمشهد الجماهيري سيعقد هذه المهمة».
ووفق شاكر، يتطلب احتواء التوتر حماية حق التظاهر السلمي، وتقديم استجابات عملية للمطالب الاجتماعية، إلى جانب مراجعة أولويات الإنفاق العام.
النقابات تستعد لجولات احتجاجية جديدة
وفي مؤشر على استمرار التحركات خلال الفترة المقبلة، تتجه نقابات في عدد من الدول الأوروبية إلى تنظيم فعاليات جديدة للضغط على الحكومات.
ففي فرنسا، دعا الاتحاد العام للعمل «سي جي تي» إلى إضراب ومظاهرات في 5 نوفمبر المقبل.
وفي البرتغال، حدد الاتحاد العام للعمال تجمعًا أمام البرلمان في 24 نوفمبر، بالتزامن مع الموعد المتوقع للتصويت النهائي على الموازنة.
أما في بلجيكا، فأبقى الاتحاد العام للعمل احتمال تنظيم إضراب عام في 23 نوفمبر مطروحًا، ربطًا بالقرارات التي ستتخذها الحكومة ومدى استجابتها للمطالب النقابية.
وتبقى قدرة الحكومات على معالجة الضغوط المعيشية واحتواء الخلافات بشأن الموازنات والخدمات العامة عاملًا أساسيًا في تحديد ما إذا كانت هذه التحركات ستتراجع عبر الحوار والتسويات، أم ستتجه إلى جولات جديدة من التصعيد.



