چرمين عامر – عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر
في ليلة من ليالي شهر مارس، ذلك الشهر المعروف بشهر التحولات وكسر الجمود، من عام 2018، جلس شاب بوجه شاحب أمام أعضاء الكونجرس الأمريكي، في جلسة مثيرة للفضول والدهشة في آن واحد. كانت الكاميرات مصوبة نحوه، تلتقط أدق تعبيرات وجهه، والأسئلة تتساقط عليه كالرصاص.
إنه مارك زوكربيرج Mark Zuckerberg، مؤسس منصة فيسبوك Facebook، التي جمعت آنذاك أكثر من 2.3 مليار مستخدم حول العالم. منصة بدأت اجتماعية وترفيهية، ثم تحولت خوارزمياتها إلى آليات تتوغل بعمق داخل النفس البشرية، تحدث تأثيرها الناعم، ثم تناور بذكاء لتأخذ زمام الأمور، وتتحول، في لحظة فارقة، إلى أحد أخطر الأسلحة السياسية القادرة على توجيه عاطفة الجماهير والتأثير في قراراتهم الانتخابية.
ومن خلف الستار، وقفت شركة الاستشارات السياسية البريطانية كامبريدج أناليتكا Cambridge Analytica، تدير خيوط لعبة الخوارزميات ببرود شديد، لتفجر واحدة من أكبر فضائح العصر الرقمي، وتفتح بابًا لأزمة ثقة رقمية غير مسبوقة.
فقد استطاعت الشركة الحصول على بيانات نحو 87 مليون مستخدم دون موافقتهم الصريحة، عبر تطبيق اختبارات شخصية أنشأه الباحث بجامعة كامبريدج ألكسندر كوجان Aleksandr Kogan، بحيث يضغط المستخدم زر "موافق"، وكأنه قد سلم، بكامل إرادته، مفاتيح خزائن أسراره وبياناته الخاصة للتطبيق.
ومن ورائه، تنتظر الشركة البريطانية بيانات المستخدمين بشغف شديد، وعيون جائعة تترقب الأرقام لتلتهم كل رقم، وتفك شفر كل مؤشر بحثًا عن إشارة أو دليل. فبيانات المستخدمين هي خريطة نفسية كاملة تتضمن المزاج، الميول، نقاط القوة والضعف.
ومن هنا، اعتمدت الشركة على نموذج السمات الخمس الكبرى للشخصية (OCEAN Model): الانفتاح، الضمير، الانبساط، التوافق، العصابية. وبدأ أخطر أشكال التلاعب بالجماهير من خلال تقسيمهم إلى فئات نفسية وثقافية، ثم تصميم رسائل سياسية مخصصة لكل فئة على حدة، فتغذي الخوف لدى القلقين، وتؤجج الغضب لدى الساخطين، وتضخم الأمل لدى الحالمين.
تجلت تطبيقات هذه الاستراتيجية في حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب Donald Trump خلال انتخابات 2016، وكذلك في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المعروفة باسم Brexit.
ما كانت القصة لتنكشف لولا شهادة موظف سابق في الشركة يدعى كريستوفر والي Christopher Wylie، حين كشف التفاصيل لصحيفتي الغارديان The Guardian ونيويورك تايمز The New York Times.
وعلى إثر أزمة الثقة الرقمية، تم استجواب مارك زوكربيرج أمام الكونجرس، وفرضت Federal Trade Commission غرامة قدرها 5 مليارات دولار على منصة فيسبوك. كما أعلنت شركة كامبريدج أناليتكا إفلاسها في العام نفسه. كذلك فعلت اللائحة الأوروبية لحماية البيانات المعروفة باسم General Data Protection Regulation (GDPR).
لكن جوهر القضية لم يكن فقط في هشاشة معايير الخصوصية الرقمية، بل في هشاشة وعي المواطن الرقمي نفسه. رغم عيشه في بيئة تكنولوجية ذكية، إلا أن ثقته الزائدة مكنت الخوارزميات من التلاعب ببياناته الشخصية بسهولة، واستخدامها كسلاح سياسي يعيد تشكيل الرأي العام والأيديولوجيات والقناعات والثقافة في صمت.
المعادلة بدت بسيطة وخطيرة في آن واحد: تخصيص الرسالة + فهم النفس البشرية + تكرار التعرض للرسالة = تأثير قوي وممتد، وهكذا تجسدت نظرية الهيمنة الإعلامية على أصوات الجماهير، بكل تطبيقاتها التقليدية والرقمية. فكلما زاد الغموض، ازداد اعتماد الجمهور على المصدر الذي يثق به. وحين أصبحت السوشيال ميديا مصدر الثقة الأول للمواطن الرقمي، انفجرت أزمة الثقة، وانكشفت فضيحة هشاشة الخصوصية الرقمية





