جرمين عامر - عضو اتحاد كتاب مصر
في الاسبوع الماضي، نشرت مقالة بعنوان "خوارزميات التميز ضد المرآة". وهذا الاسبوع نستكمل عرض بعض ما تمارسه الخوازرميات من تحيز خفي ضد ذوي الهمم.
فعندما نسمع .. مصطلح الجريمة الإلكترونية، يتبادر .. إلى أذهاننا إختراق الحسابات، وسرقة الأموال، وبرامج الفدية، والإحتيال الرقمي. ولكن في حالة ما يكون الجاني هو خوارزميات الذكاء الاصطناعي كيف يكون الحساب ؟!!
الأمر مرعب !! فهذه الخوارزميات تتخذ قرارات بالنيابة عن البشر. وهذه القرارات تمس حياة المواطنين وأحيانا تمس الإنسانية بشكل عام. كالذي إرتكبته منصة هايرفيو HireVue الامريكية والمتخصصة في التوظيف.
فقد تقدمت منظمة EPIC ، بشكوي الي لجنة التجارة الفيدرالية الامريكية FTC عام 2019 متهمة المنصة، بإستخدام تقنيات تحليل مقابلات العمل المصورة، وتقييم تعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، وسرعة الحديث، وحركة العينين، ولغة الجسد، باعتبارها مؤشرات على كفاءة المتقدم وثقته بنفسه.
وفي عام 2021، أعلنت الشركة إيقاف خدمة تحليل تعابير الوجة بعد الإنتقادات الواسعة التي وجهت لها. لتبرز قضية أخري لا تقل اهمية عام 2025 ، عندما قدم إتحاد الحريات المدنية الامريكي ACLU شكوي ضد نفس الشركة (هايرفيو انتويت HireVue Intuit ) متهمين نظام المقابلات المعتمده علي الذكاء الاصطناعي بالتمييز ضد موظفة صماء من السكان الأصليين أثناء تقدمها للترقية. وذلك بسبب عدم توفير وسائل إتاحة مناسبة وإعتماد النظام علي أنماط الكلام التقليدية والذي لا يستجيب للمعاقين سمعيا، وفق لموقع epic.org
فالأشخاص ذوي الهمم، يعبرون بطريقة مختلفة يدركها الإنسان الطبيعي ويتعامل معها. أما بالنسبة للخوارزميات فيتحول هذا التعبير إلي مؤشر سلبي، يحرم صاحبه من حق المنافسة العادلة والتوظيف.
وهو يعد نوع من انواع الإيذاء الرقمي، الذي يؤدي الي إستبعاد المتقدم للوظيفة حتي ولو كان الأكثر كفاءه. فالمصاب بالتوحد قد يتجنب التواصل البصري، ومن يعاني إضطراب في النطق قد يتحدث بإيقاع مختلف، بينما قد تحد الإعاقة الحركية من تعبيرات الوجه أو لغة الجسد.
لقد تطورت الجرائم الإلكترونية من عملية إستهداف الأجهزة إلى إستهداف الإنسان نفسه. فبدلا من سرقة الأموال، أصبح بإمكان الجاني سرقة الفرص، وتشويه السمعة، والتأثير في القرارات المصيرية، من خلال أنظمة تبدو محايدة، بينما هي تخفي داخلها تحيزات تعلمتها من بيانات غير متوازنة ادخلها البشر في السابق.
الأخطر !! أن هذا النوع من الجرائم، لا يترك آثار واضحة لانه صامت. والضحية قد لا تعرف لماذا تم رفض طلبها، أو لماذا لم تستدع للمقابلة، لأن القرار صدر داخل صندوق أسود اسمه خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
ولذلك بدأت الحكومات والجهات التنظيمية حول العالم تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية تتعلق بالحقوق الرقمية، وليس فقط بالتكنولوجيا. فكل قرار آلي، غير عادل قد يتحول إلى إنتهاك لحق الإنسان في العمل، أو التعليم، أو الخدمات، إذا لم يخضع للرقابة والمساءلة.
فالعدالة الرقمية لا تعني فقط حماية الأموال والبيانات، بل تعني حماية حق كل إنسان في أن يقييم بقدراته، لا بطريقة حديثه، أو ملامح وجهه، أو إعاقته.
بالفعل .. نجح العالم في بناء خوارزميات ذكاء اصطناعي، تتعلم، وتتطور، بسرعة مذهلة،
لكنه لم ينجح بعد.. في تعليمها، أن الاختلاف ليس جريمة. وذوي الهمم حباهم الله بقدرات مختلفة خاصة.
وربما آن الأوان .. لنعيد كبشر تعريف الجريمة الإلكترونية بعيدا عن خوارزميات الآله.






