هل تتحول أنقرة إلى ورقة انتخابية في إسرائيل؟

يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرحلة سياسية بالغة التعقيد مع اقتراب الانتخابات، في ظل تراجع شعبية حزب «الليكود» واستمرار محاكمته في قضايا فساد، بالتزامن مع الضغوط الأمريكية التي دفعته إلى خفض التصعيد على جبهتي إيران ولبنان. وفي ظل هذه التطورات، برز تصاعد واضح في الخطاب الإسرائيلي المعادي لتركيا، وسط اتهامات لنتنياهو ومقربين منه بتوظيف التوترات الإقليمية لخدمة حسابات انتخابية.

نتنياهو بين أزمات الداخل وحروب المنطقة

يواجه نتنياهو محاكمة في قضايا فساد، ويُعد أول رئيس وزراء إسرائيلي يخضع للمحاكمة الجنائية أثناء وجوده في منصبه، في وقت يتعرض فيه لانتقادات سياسية متزايدة داخل إسرائيل بشأن إدارة الحروب والتوترات الإقليمية.

ويرى منتقدوه أن استمرار حالة التصعيد العسكري تخدم بقاءه السياسي، بينما تتزايد الضغوط عليه داخليًا وخارجيًا بسبب تداعيات العمليات العسكرية في قطاع غزة والمنطقة.

كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة، وهو ما رفضته إسرائيل.

خمس جبهات عسكرية في المنطقة

خلال السنوات الأخيرة، اتسع نطاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في عهد نتنياهو ليشمل عدة ساحات إقليمية، إلى جانب الحرب في قطاع غزة.

وشنت إسرائيل عمليات عسكرية في لبنان وإيران، كما نفذت ضربات في اليمن وسوريا، فيما استهدفت في وقت سابق قطر، التي كانت تؤدي دور الوسيط في مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس.

وفي سوريا، كثفت إسرائيل ضرباتها على مواقع وبنى تحتية عسكرية عقب سقوط نظام بشار الأسد، كما سيطرت قواتها على مناطق في الجنوب السوري.

ضغوط أمريكية تقيّد تحركات نتنياهو

وأجبرت الضغوط الأمريكية حكومة نتنياهو على خفض التصعيد مع إيران، بعد التوصل إلى تفاهمات بين واشنطن وطهران، وهو ما انعكس على صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي سعى لسنوات إلى تقديم نفسه باعتباره قائدًا قادرًا على مواجهة التهديدات الإقليمية.

وأثار القرار انتقادات من جانب عدد من شركائه السياسيين والمعارضة، حيث اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يائير لابيد نتنياهو بـ«خسارة الحرب».

كما تراجعت حدة العمليات الإسرائيلية في لبنان تحت ضغط أمريكي، مع استمرار بعض الضربات المتفرقة، الأمر الذي فتح جبهة جديدة من الانتقادات داخل الائتلاف الحاكم.

تراجع «الليكود» يضع نتنياهو تحت ضغط انتخابي

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تراجع حزب «الليكود» مقارنة بنتائجه الحالية في الكنيست، وهو ما يضع نتنياهو أمام تحدٍ انتخابي كبير.

ويحتاج أي معسكر سياسي إلى 61 مقعدًا من أصل 120 لتشكيل حكومة، بينما تظهر استطلاعات حديثة أن مجموع مقاعد «الليكود» وحلفائه من أحزاب اليمين المتطرف والتيارات الدينية لا يضمن هذه الأغلبية.

وأظهر استطلاع نشرته القناة 13 الإسرائيلية في 19 أغسطس حصول معسكر نتنياهو على نحو 51 مقعدًا، ما يعكس صعوبة المشهد الانتخابي بالنسبة إلى رئيس الوزراء وحلفائه.

تركيا تدخل الحسابات الانتخابية

في ظل تراجع هامش المناورة أمام نتنياهو على جبهتي إيران ولبنان، برزت تركيا بصورة متزايدة في الخطاب السياسي لرئيس الوزراء ومقربين منه، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن النفوذ التركي في سوريا.

وكان وزير شؤون الشتات الإسرائيلي وعضو «الليكود» عميحاي شيكلي قد حذر في تصريحات سابقة من تنامي الدور التركي والسوري، معتبرًا أن التطورات المرتبطة بالبلدين تمثل تحديًا أكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى إسرائيل من إيران.

كما انتقد شيكلي التقارب التركي السعودي، معتبرًا أن تحرك الرياض بالتنسيق مع أنقرة يمثل تطورًا سلبيًا من وجهة النظر الإسرائيلية.

كاتس ونتنياهو يرفعان سقف الخطاب ضد أنقرة

ويبرز وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس باعتباره أحد أبرز المسؤولين الذين يوجهون انتقادات متكررة إلى تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان.

واستخدم كاتس منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي لتوجيه رسائل متكررة إلى أنقرة، بعضها باللغة التركية، بالتزامن مع تصاعد التوتر بشأن النفوذ التركي في سوريا.

كما ألمح وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إلى احتمال الرد على أي وجود عسكري تركي في سوريا، قائلًا إن إقامة تركيا قاعدة هناك قد تدفع إسرائيل إلى اتخاذ خطوة مماثلة.

وتزايدت هذه التصريحات عقب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية في محافظة إدلب السورية، وسط تحليلات إسرائيلية ربطت بين التصعيد وخلفيات سياسية وانتخابية.

معارضة إسرائيلية تتهم نتنياهو باستغلال الأمن

ولم تقتصر الانتقادات على خصوم نتنياهو التقليديين، إذ اتهم زعيم حزب «الديمقراطيين» يائير غولان رئيس الوزراء باتخاذ خطوة وصفها بـ«الوقحة والخطيرة»، محذرًا من أن التصعيد مع تركيا قد يضر بالعلاقات مع الولايات المتحدة.

كما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إن نتنياهو يتبع، مع اقتراب الانتخابات، سياسة تعتمد على استثمار المخاوف الأمنية والتوترات الإقليمية في التأثير على الناخبين.

ورأت تحليلات سياسية إسرائيلية أن رئيس الوزراء يسعى إلى استعادة الزخم لحزبه من خلال توظيف الملفات الأمنية والعسكرية، خصوصًا في ظل عدم تحقيق «الليكود» النتائج التي يطمح إليها في استطلاعات الرأي.

الإعلام الإسرائيلي يفتح جبهة ضد تركيا

وامتدت الحملة إلى وسائل الإعلام الإسرائيلية، إذ استهدفت القناة 14 المقربة من نتنياهو القنصلية العامة التركية في القدس الشرقية المحتلة، من خلال تقرير تناول مزاعم بشأن أعمال ترميم في مبنى القنصلية.

كما بثت قناة «آي 24» تقريرًا تناول الدور التركي في القدس الشرقية، وتطرق إلى نشاط المؤسسات والجمعيات التركية في المدينة، بما في ذلك المساعدات الإنسانية المقدمة للفلسطينيين وأنشطة مركز «يونس إمره» الثقافي.

ويعكس تصاعد هذا الخطاب تحول تركيا إلى أحد الملفات التي تحظى بحضور متزايد في النقاش السياسي الإسرائيلي، في وقت يسعى فيه نتنياهو إلى التعامل مع ضغوط داخلية وخارجية متزامنة، بينما تقترب البلاد من استحقاق انتخابي قد يحدد مستقبل حكومته ومصيره السياسي.