تشهد فرنسا تصعيدًا جديدًا في المشهدين الاجتماعي والأمني، مع خروج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع احتجاجًا على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتراجع مستوى الخدمات العامة، في تحركات امتدت إلى عدد من المدن الكبرى، أبرزها باريس ومرسيليا، وشهدت مواجهات مع قوات الشرطة وأعمال تخريب وتوقيفات.
وتتزامن الاحتجاجات مع تصاعد الخلافات حول السياسات الاقتصادية للحكومة ومشروع الموازنة العامة لعام 2027، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات وتحول الغضب الشعبي إلى مواجهات أكثر حدة.
140 مظاهرة وآلاف المشاركين وتوقيف 166 شخصًا
ووفقًا للبيانات التي أعلنتها السلطات الفرنسية، سُجلت نحو 140 مظاهرة خارج العاصمة باريس حتى منتصف النهار، بمشاركة قرابة 32 ألفًا و800 شخص، فيما ألقت الشرطة القبض على 166 شخصًا في مناطق متفرقة من البلاد، بينهم عشرات في العاصمة.
وأفادت وسائل إعلام فرنسية بأن التحركات الحالية تجمع بين احتجاجات طلابية ومشاركة من أنصار حركة «السترات الصفراء»، في ظل استعداد السلطات للتعامل مع مظاهرات واسعة النطاق في مختلف أنحاء البلاد.
وفي باريس، عززت الشرطة وجودها في المناطق الحيوية، خاصة محيط شارع الشانزليزيه وقوس النصر، بينما استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريق متظاهرين في ساحة الجمهورية، بالتزامن مع إطلاق ألعاب نارية وظهور مجموعات من المحتجين يرتدون ملابس سوداء وأقنعة.
مرسيليا تشهد أعمال شغب وتخريبًا للممتلكات
وفي مدينة مرسيليا جنوبي فرنسا، امتدت الاحتجاجات إلى أعمال شغب وتخريب، إذ حطم متظاهرون نوافذ مركز للشرطة وكتبوا عبارات على جدرانه، فيما اندلعت حرائق في عدد من الشوارع، وأُحرقت أغراض يُشتبه في الاستيلاء عليها من متاجر.
كما اقتحم عشرات المحتجين مبنى البلدية لفترة وجيزة، ورددوا شعارات تدعو إلى الثورة، قبل تدخل الشرطة لإخلاء المبنى وتأمين مداخله، ومنع المتظاهرين من العودة إليه.
وأعلنت وزارة الداخلية الفرنسية وقوع حوادث عنف وتخريب في مدن عدة، شملت اعتداءات على أفراد من الشرطة ووسائل إعلام ومبانٍ عامة، مشيرة إلى تنفيذ عمليات توقيف خلال المواجهات.
احتجاجات الطلاب تتسع بسبب أوضاع التعليم
وتأتي هذه التطورات امتدادًا لتحركات طلابية بدأت في 17 سبتمبر الماضي، واكتسبت زخمًا خلال الأسابيع الأخيرة، مع مشاركة طلاب من مئات المدارس، لا سيما في الضواحي الفقيرة والمناطق التي تقطنها أسر من الطبقة العاملة.
وشملت الاحتجاجات إغلاق مداخل مدارس وقطع طرق وإشعال النيران في حاويات القمامة، اعتراضًا على ما يصفه الطلاب بتدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، وارتفاع كثافة الفصول، ونقص أعداد المعلمين.
ونقلت وكالة «رويترز» عن متظاهرة تبلغ من العمر 19 عامًا قولها إن التحركات تأتي على خلفية صعوبة تحمل نفقات المعيشة وارتفاع أسعار الوقود، فضلًا عن تعرض طلاب المدارس الثانوية للعنف خلال محاولاتهم المطالبة بتحسين ظروف التعليم وزيادة أعداد المدرسين.
وزير الداخلية يحذر من اتساع دائرة العنف
وفي مواجهة التصعيد، أعرب وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عن قلقه من تحول الاحتجاجات إلى موجة من أعمال العنف، محذرًا من احتمال استغلال مجموعات متطرفة للتحركات من أجل تأجيج المواجهات.
وكانت السلطات قد أعلنت تعليق استخدام قنابل الصوت الأسبوع الماضي، بعد إصابة مراهق يبلغ من العمر 15 عامًا وفقدانه إحدى يديه في حادثة أثارت جدلًا واسعًا بشأن أساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
ووفقًا للتقرير، أُصيب فتى آخر يبلغ من العمر 14 عامًا في وجهه جراء قنبلة غاز بالقرب من باريس.
لكن نونيز أشار، في تصريحات تلفزيونية، إلى إمكانية استئناف استخدام هذه الوسائل إذا تجددت المواجهات، مؤكدًا أن قوات الأمن قد تلجأ إلى الوسائل المتاحة للتعامل مع أعمال العنف.
ماكرون يدعو إلى التهدئة وسط انقسام سياسي
من جانبه، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى التهدئة واحترام الأشخاص والممتلكات، مع التأكيد على حق المواطنين في التظاهر، فيما أعرب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن قلق السلطات من احتمال اندلاع اضطرابات خلال الاحتجاجات.
وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد التوتر السياسي والاجتماعي في فرنسا، في ظل الخلافات بشأن السياسات الاقتصادية للحكومة وارتفاع أسعار الوقود ومستوى الخدمات العامة، وقبيل الانتخابات الرئاسية المقررة وفقًا لما ورد في التقرير بنحو ستة أشهر.
كما تبادلت قوى سياسية الاتهامات بشأن أسباب تصاعد الاضطرابات؛ إذ اتهم معارضون حزب «فرنسا الأبية»، بقيادة جان لوك ميلانشون، بالتحريض على العنف، بينما رفض الحزب هذه الاتهامات.
وشهدت بعض التحركات ظهور أعلام فلسطينية وكوفيات، فيما أثارت تصريحات سياسية أمريكية بشأن الهجرة والإسلام في فرنسا جدلًا إضافيًا حول خلفيات الاحتجاجات وطبيعتها.
الحكومة أمام اختبار اقتصادي وأمني
وتضع التطورات الحكومة الفرنسية أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في التعامل مع الغضب الشعبي المرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، بالتوازي مع احتواء أعمال العنف ومنع امتدادها إلى مدن ومناطق جديدة.
وفي ظل تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي، تبقى قدرة السلطات على إدارة الأزمة واحتواء مطالب المحتجين دون تفاقم المواجهات أحد أبرز التحديات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.



