جيرمين عامر عضو اتحاد الإعلاميين
على مسرح الجريمة الإلكترونية، تتعدد الحيل، وتتبدل أقنعة الشر، وتتنوع الجرائم بين السرقة والإبتزاز والإغتيال الأخلاقي للضحايا.
وفي هذا المقال .. سنتناول الضحايا من كبار السن ..الذين أفنوا حياتهم في العمل والعطاء .. ليجدوا أنفسهم فجأة !! في مواجهة محتال يسطو على مدخراتهم، وينتهك خصوصيتهم، ويسلبهم حقوقهم في الشعور بالأمان، بعد سنوات طويلة من الكفاح.
تفتح الستار .. علي دق جرس الهاتف المحمول .. رقم مجهول .. وصوت هادئ .. يخبر الضحية والذي تجاوز السبعين من عمره .. بأنه موظف في بنك كبير .. وأن حسابه المصرفي يتعرض حاليا لمحاولة إختراق .. وأن عليه إرسال بيانات الحساب فورا .. حتي يتم إنقاذ مدخراته.
تجمد المسن علي كرسيه للحظة .. وشريط ذكرياته يمر أمام عينيه : خمسين عام .. سنوات الغربة والعمل، تحويشة العمر، خطط التقاعد، والميراث الذي طالما حلم بأن يتركه لأبنائه وأحفاده.
لياتي الصوت مرة اخري بسرعة: "اطمئن يا فندم .. إحنا هنحمي فلوس حضرتك .. بس محتاجين بياناتك، وأن تضغط على الرابط المرسل لك، وتنفذ جميع التعليمات فورا.
وفي لحظات معدودة .. أختفي الرصيد نهائيا من الحساب البنكي.
والأرقام والمؤشرات تكشف .. حجم الكارثة التي تحدث يوميا حول العالم !! فوفق لبيانات مركز شكاوى جرائم الإنترنت التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي FBI، بلغت حجم خسائر كبار السن 60 عام فأكثر نحو 7.748 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة قدرها 59% عن عام 2024.
وتتنوع الجرائم بين الإحتيال الإستثماري، بخسائر بلغتنحو 3.5 مليار دولار. والجرائم المرتبطة بالعملات المشفرة، بنحو 4.3 مليار دولار. كذلك سجل التقرير نحو 584 مليون دولار خسائر لجرائم الثقة والإحتيال العاطفي. فضلا عن مليار دولار خسائر لإحتيال الدعم الفني.
أما خسائر إنتحال صفة الجهات الحكومية والاحتيال علي كبار السن، فقد بلغت نحو 448 مليون دولار، و422 مليون دولار لمنتحلي صفة الشركات. وأيضا 143 مليون دولار لجرائم الإحتيال الوهمية بإستخدام الجوائز واليانصيب. ونحو 59 مليون دولار حجم إحتيال التسوق الإلكتروني. كذلك تم تسجيل أكثر من 201 ألف شكوى لكبار السنخلال 2025، بمتوسط خسارة بلغ 38,500 دولار للضحيةالواحدة.
المشكلة التي استخلصها التقرير .. ليست في تقدم سن الضحايا ، ولا في استخدامهم للتطبيقات الرقمية، إنما في الفجوة بين التطور السريع لأساليب الإحتيال وقدرة المستخدمين على اكتشافها، كذا مسؤولية المؤسسات المالية والدول في التحوط ضد مخاطر الآمن السيبراني مع توفير الحماية الكاملة للخدمات المقدمة خاصة لفئة كبار السن.
فالمحتال متعدد الأقنعة .. مرة ينتحل صفة موظف بنك، أو خبير إستثمار، أو ممثل جهة حكومية حتي يدفع ضحيته إلي مشاركة بياناته أو تحويل الأموال.
ومرة أخري .. يتسلل من باب العلاقات الإنسانية والتي تتحول إلي إبتزاز عاطفي ثم طلبات مالية تحت غطاء الصداقة أو الظروف الطارئة.
ليعاود مرة جديدة .. بحيل الدعم الفني .. فيتقمص دور المنقذ، ويطلب صلاحية التحكم في الأجهزة كالموبيل أو الكمبيوتر، ومن ثم يصبح الطريق إلى البيانات والحسابات المالية مفتوح. أما الجوائز الوهمية والتسوق الإلكتروني، فيكفي فيهما وعد بمكسب أو عرض مغرٍ لإيقاع الضحية في الفخ.
وعلى الرغم من التحركات المستمرة على المستوى الدولي، بقيادة البنوك المركزية والجهات المعنية، لتعزيز الأمن السيبراني وإطلاق حملات التوعية التي تحذر من مشاركة الأرقام السرية ورموز التحقق، أو تحويل الأموال، أو منح الغرباء صلاحية التحكم في الأجهزة. كذا الحث علي سرعة الإبلاغ عند الاشتباه في أي عملية إحتيال .. فإن جرائم النصب والإحتيال والإبتزاز لا تزال تقع يوميا حولالعالم، مستهدفة مختلف الفئات العمرية خاصة كبار السن.. دون رادع.
لتصبح المشكلة الأكبر هي غياب الثقافة المجتمعية وعدم الوعي الكافي باهمية الحفاظ علي الأمن الرقمي.







