جرمين عامر تكتب: الاحتياط واجب "الإطاحة الناعمة"

چرمين عامر – عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر 

چرمين عامر – عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر 

الأمر لم يعد نكتة ساخرة، ولا مشهدا من فيلم خيال علمي، بل أصبح واقعا نعيشه يوميا.

لأكثر من نصف قرن، قدمت لنا أفلام الخيال العلمي سيناريو واحدا مفاده أن الروبوتات ستتمرد يوما ما على البشر، وستندلع معارك طاحنة بينهم للسيطرة على العالم. جيوش من الآلات، ومدن مدمرة، وإنسانية تقاتل من أجل البقاء.

لكن يبدو أن الواقع قرر أن يكتب سيناريو مختلفا وأكثر ذكاء.

فالروبوتات العملاقة لم تخرج من المصانع لتحتل المدن، ولم تشهر أسلحتها في وجه البشر. ما يحدث اليوم هو الإطاحة الناعمة بكل هدوء ومنتهى الذكاء.

في عصر الثورة الرقمية، تولت تطبيقات الذكاء الاصطناعي المهمة بنفسها. لم تعد تحتاج إلى دبابات أو صواريخ أو حتى طلقة رصاص واحدة. بل اختارت نوعا جديدا من السيطرة الناعمة. سيطرة ترتدي بدلة أنيقة، وتحمل بطاقة موظف، وتجلس بهدوء خلف مكتب مدير التوظيف.
في عام 2018، اكتشفت شركة أمازون، وفقا لما نشرته وكالة رويترز، أن نظام الذكاء الاصطناعي الذي طورته للمساعدة في فرز طلبات التوظيف بدأ يتخذ قراراته الخاصة بشأن المرشحين، مستندا إلى أنماط وسلوكيات سابقة تعلمها من البيانات البشرية التي تم تدريبه عليها.

بمعنى آخر، ارتدت الخوارزميات بدلة مدير التوظيف، وجلست مكانه، وبدأت تقرر من يستحق فرصة للعمل ومن لا يستحقها. لم ترفع صوتها، ولم تعقد اجتماعا مطولا، ولم تطلب عشرات فناجين القهوة، بل اكتفت بالضغط على زر القبول أو الرفض.
واقعة أمازون لم تكن الوحيدة، فالقصة بدأت قبل ذلك بسنوات.

وبالتحديد في عام 2007، عندما أطلق جيف بيزوس مشروع ميكانيكل ترك (Mechanical Turk)، القائم على فكرة بدت وقتها أقرب إلى الخيال.

وهي تدريب وتطوير الآلة على أن تطلب من البشر تنفيذ المهام التي تعجز عن إنجازها بنفسها. يومها اعتبر المشروع ثورة ابتكارية كبرى في إدارة العمل الرقمي، وتجربة ذكية لإعادة توزيع الأدوار بين الإنسان والتكنولوجيا.

لكن الدراما الحقيقية لم تكن فيما تستطيع الآلة فعله، بل فيما ستقرره بعد ذلك.

فبعد أقل من عقدين، لم تعد الخوارزميات تبحث عمن يساعدها على العمل، بل أصبحت تختار بنفسها من يحق له العمل وفقا لقواعدها وشروطها.
وهنا يبرز السؤال الأهم:

هل نحن كبشر مستعدون لوظائف المستقبل؟

الواقع يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الوظائف الحالية، وإنما يعيد تعريفها بعيدا عن الأعمال الروتينية.
والتاريخ الاقتصادي يخبرنا أنه مع كل ثورة تكنولوجية، هناك مهن تنتهي وفرص جديدة تخلق. وهذا ما أكده تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2025، الذي أشار إلى أن نحو 92 مليون وظيفة حالية ستتعرض للاستبدال بحلول عام 2030.

ومن أبرز هذه الوظائف: إدخال البيانات، والسكرتارية، وبعض وظائف خدمة العملاء، ووظائف المحاسبة الروتينية.

وفي المقابل، يتوقع التقرير ظهور 170 مليون وظيفة جديدة، من بينها: خبراء الأمن السيبراني، ومهندسو الروبوتات، ومحللو البيانات الضخمة، ومهندسو التكنولوجيا المالية، ومدربو الذكاء الاصطناعي.

وما نشهده اليوم يرسم ملامح اقتصاد جديد، يقوم على الإبداع والتحليل والتفكير النقدي وصناعة القيمة المضافة، بينما تتولى الخوارزميات المهام الروتينية والمتكررة بسرعة وكفاءة غير مسبوقتين.

لذلك، فإن النجاح المهني اليوم أصبح مرتبطا بمدى قدرة الإنسان على العمل جنبا إلى جنب مع أنظمة ذكية تتعلم باستمرار، وتقرأ ملايين البيانات، وتحللها، وتتخذ قراراتها في ثوان معدودة.


أما في المستقبل، فسيستلزم العمل من الإنسان أن يكون مبدعا ومبتكرا، وأن يظل دائما متقدما بخطوتين.

فتح الصورة

فتح الصورة

فتح الصورة