دراسة علمية تكشف.. لماذا صمد الهرم الأكبر أمام الزلازل لآلاف السنين؟

أعادت الهزة الأرضية التي شعر بها ملايين المواطنين في مصر فجر اليوم، وبلغت قوتها 5.6 درجة على مقياس ريختر، الاهتمام بمدى قدرة المنشآت على مقاومة الزلازل، خاصة بعد تأكيد الجهات الرسمية عدم وقوع خسائر بشرية أو أضرار جسيمة.

وفي أعقاب الهزة، دعا الهلال الأحمر المصري المواطنين إلى تجنب الاقتراب من المباني القديمة أو التي تظهر عليها تصدعات، محذرًا من أن انهيار المباني كان السبب الرئيسي في ارتفاع عدد ضحايا زلزال عام 1992.

وبينما تعتمد المباني الحديثة على أكواد هندسية خاصة لمقاومة الزلازل، يظل الهرم الأكبر بالجيزة أحد أبرز النماذج المعمارية التي أثارت اهتمام العلماء، بعدما حافظ على استقراره لأكثر من 4600 عام رغم تعرضه لهزات أرضية متكررة.

دراسة علمية تكشف أسرار الصمود

وأظهرت دراسة نشرتها دورية Scientific Reports أن الهرم الأكبر لا يمثل فقط إنجازًا معماريًا فريدًا، بل يمتلك خصائص إنشائية وجيوتقنية تمنحه قدرة استثنائية على امتصاص الاهتزازات الزلزالية ومقاومتها.

واعتمد الباحثون على شبكة من أجهزة الرصد الزلزالي عالية الحساسية، وُزعت في 37 نقطة داخل الهرم وحوله، شملت الحجرات الداخلية والممرات والكتل الحجرية والتربة المحيطة، بهدف تحليل ما يعرف بـ"الاهتزازات المحيطة"، وهي اهتزازات طبيعية منخفضة الشدة تنتج عن الرياح والأمواج والنشاط الزلزالي البعيد، إضافة إلى الأنشطة البشرية اليومية.

وأثبتت القياسات أن الهرم يتعامل مع هذه الاهتزازات بصورة مستقرة ومتجانسة، بما يعكس كفاءة كبيرة في توزيع الأحمال والإجهادات داخل هيكله الضخم.

تصميم هندسي يقلل تأثير الزلازل

وربطت الدراسة بين قدرة الهرم على الصمود وعدد من العناصر الهندسية التي ميزت تصميمه، في مقدمتها القاعدة العريضة، وانخفاض مركز الثقل، والتماثل الدقيق بين جوانبه، إضافة إلى التدرج في الكتلة من أسفل إلى أعلى.

كما أشارت إلى أن الممرات والغرف الداخلية لا تؤدي دورًا معماريًا فقط، وإنما تسهم أيضًا في توزيع الطاقة الناتجة عن الاهتزازات وتقليل تأثيرها داخل جسم الهرم، وهو ما يحد من تعرضه لتشوهات أو أضرار موضعية.

اختلاف التردد.. مفتاح مقاومة الاهتزازات

ومن أبرز النتائج التي توصل إليها الباحثون أن الهرم لا يهتز بالتردد نفسه الذي تهتز به التربة المحيطة، إذ يتراوح تردده الطبيعي بين 2 و2.6 هرتز، بينما يبلغ التردد الطبيعي للتربة نحو 0.6 هرتز فقط.

ويمنع هذا الاختلاف حدوث ظاهرة "الرنين الزلزالي"، التي تعد من أخطر الظواهر الهندسية، إذ تؤدي إلى تضاعف الاهتزازات عندما يتطابق تردد المبنى مع تردد الموجات الزلزالية، وهو ما يرفع احتمالات الانهيار في كثير من المنشآت.

هل صمم المصريون القدماء الهرم لمقاومة الزلازل؟

ورغم النتائج اللافتة، أكد الباحثون أنهم لا يستطيعون الجزم بأن المصريين القدماء صمموا الهرم خصيصًا لمقاومة الزلازل، إلا أنهم رجحوا أن خبراتهم الطويلة في البناء وتطور تقنيات التشييد عبر قرون مكّنتهم من الوصول إلى تصميم يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار والمتانة.

وترى الدراسة أن هذا الإنجاز الهندسي، الذي سبق العلوم الحديثة بآلاف السنين، يقدم نموذجًا فريدًا لكيفية توظيف التصميم المعماري في تعزيز قدرة المنشآت على مواجهة الكوارث الطبيعية، وهو ما يفسر استمرار الهرم الأكبر شامخًا حتى اليوم رغم تعاقب الزلازل عبر العصور.