57 عامًا على حريق الأقصى.. جريمة تاريخية تتجدد معها مخاوف تهويد المسجد

تحل اليوم الذكرى الـ57 لحريق المسجد الأقصى المبارك، الذي اندلع في 21 أغسطس 1969 على يد أسترالي متطرف يُدعى مايكل دينيس روهان، بعدما أقدم على إشعال النيران عمدًا في الجناح الشرقي للمسجد، في واحدة من أبرز الجرائم التي استهدفت أحد أهم المقدسات الإسلامية في مدينة القدس.

حريق التهم أجزاء واسعة من المسجد

اندلعت النيران في الجناح الشرقي للمسجد الأقصى، والتهمت أجزاء من واجهاته وسقفه وسجاده وزخارفه ومحتوياته، كما طالت عددًا من المعالم التاريخية داخله، ما ألحق أضرارًا بالغة بالبناء، واستدعى أعمال ترميم استمرت سنوات لإعادة أجزاء منه إلى صورتها السابقة.

ومن أبرز المعالم التي تضررت جراء الحريق مسجد عمر بن الخطاب، الذي كان سقفه قائمًا على الطين والجسور الخشبية، إضافة إلى محراب زكريا ومقام الأربعين، وثلاثة أروقة من أصل سبعة، إلى جانب عدد من الأعمدة والأقواس والنوافذ الخشبية.

كما لحقت أضرار بالقبة الداخلية المزخرفة والجدران الجنوبية للمسجد، فيما تحطمت عشرات النوافذ المصنوعة من الجبص والزجاج الملون، واحترقت أجزاء من الزخارف والآيات القرآنية.

الفلسطينيون يسارعون لإنقاذ المسجد

وبمجرد اندلاع الحريق، هرع الفلسطينيون إلى المسجد الأقصى في محاولة للسيطرة على النيران وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من محتوياته، كما وصلت سيارات إطفاء من الخليل وبيت لحم ومناطق أخرى في الضفة الغربية وبلديات عربية للمشاركة في عمليات الإخماد.

وتشير الرواية الفلسطينية إلى أن سلطات الاحتلال تعمدت عرقلة جهود إطفاء الحريق، من خلال قطع المياه عن المنطقة المحيطة بالمسجد وتأخر مشاركة سيارات الإطفاء التابعة لبلدية الاحتلال في القدس.

وعلى الرغم من حجم الأضرار، تمكن الفلسطينيون وفرق الإطفاء من إنقاذ أجزاء كبيرة من المسجد قبل أن تمتد إليها النيران بالكامل.

حريق الأقصى.. بداية لسلسلة من الانتهاكات

لم تتوقف الاعتداءات على المسجد الأقصى عند حريق عام 1969، إذ شهدت القدس والمسجد على مدار العقود التالية سلسلة من الاقتحامات والإجراءات التي أثارت مخاوف فلسطينية ودولية بشأن تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد.

ومنذ عام 2003، يتعرض المسجد لاقتحامات متكررة من المستوطنين بحماية قوات الاحتلال، فيما تطورت هذه الاقتحامات خلال السنوات الأخيرة لتشمل أداء صلوات وطقوس دينية علنية داخل باحات المسجد.

وتسعى جماعات إسرائيلية تُعرف باسم «منظمات الهيكل» إلى تكريس حضور ديني يهودي داخل المسجد، من خلال الدعوة إلى إدخال أدوات وطقوس دينية، في خطوات يرى الفلسطينيون أنها تستهدف تغيير هوية المسجد وفرض واقع جديد داخله.

تصعيد غير مسبوق خلال 2026

وتأتي ذكرى حريق الأقصى هذا العام في ظل تصعيد لافت داخل المسجد والمدينة المقدسة، إذ شهد النصف الأول من عام 2026 ارتفاعًا في وتيرة الاقتحامات والطقوس الدينية التي يؤديها مستوطنون داخل باحات المسجد.

وبحسب البيانات الفلسطينية، بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد خلال النصف الأول من العام 25 ألفًا و604 مستوطنين، إضافة إلى 24 ألفًا و912 شخصًا دخلوا تحت مسمى «السياحة»، وسط إجراءات أمنية مشددة وقيود على وصول المصلين.

كما أُغلق المسجد الأقصى بالكامل خلال الفترة من 28 فبراير حتى 9 أبريل 2026، في أطول فترة إغلاق يشهدها المسجد منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، وفق الرواية الفلسطينية.

وشهدت الفترة ذاتها محاولات لإدخال ما يُسمى «قربان الفصح» إلى المسجد، إلى جانب إقامة طقوس دينية ورفع الأعلام الإسرائيلية داخل باحاته، فضلًا عن تمديد ساعات اقتحام المستوطنين.

الأقصى في قلب محطات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

وتجاوزت تداعيات الاعتداءات على المسجد الأقصى حدود الاقتحامات والحوادث المنفردة، إذ ارتبطت محاولات تغيير الوضع القائم فيه بعدد من أبرز محطات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ففي 8 أكتوبر 1990، وقعت ما تُعرف بـ«مذبحة الأقصى الأولى»، بعدما حاول متطرفون من جماعة «أمناء جبل الهيكل» وضع حجر الأساس لما أطلقوا عليه «الهيكل الثالث»، ما أدى إلى مواجهات داخل المسجد أسفرت، وفق الرواية الفلسطينية، عن استشهاد 21 فلسطينيًا وإصابة نحو 150 آخرين واعتقال المئات.

«هبة النفق».. مواجهة امتدت إلى مختلف المدن

وفي سبتمبر 1996، اندلعت «هبة النفق» عقب افتتاح سلطات الاحتلال النفق الغربي المحاذي للمسجد الأقصى، في خطوة أثارت موجة واسعة من الاحتجاجات والمواجهات في الأراضي الفلسطينية.

واستمرت المواجهات ثلاثة أيام، وأسفرت، وفق البيانات الفلسطينية، عن استشهاد نحو 100 فلسطيني وإصابة أكثر من 1600 آخرين.

اقتحام شارون وإشعال الانتفاضة الثانية

وفي 28 سبتمبر 2000، اقتحم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون باحات المسجد الأقصى وسط حماية أمنية مشددة، وهو الحدث الذي تحول إلى شرارة أشعلت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، المعروفة باسم «انتفاضة الأقصى».

وخلال سنوات الانتفاضة، سقط آلاف الفلسطينيين بين قتيل وجريح، وفق تقديرات فلسطينية، لتبقى قضية المسجد الأقصى واحدة من أكثر الملفات حساسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وبعد 57 عامًا من حريق المسجد الأقصى، لا تزال ذكرى الحادث حاضرة في الوعي الفلسطيني، في وقت تتواصل فيه المخاوف من تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد، وسط دعوات فلسطينية ودولية للحفاظ على هويته ومكانته الدينية والتاريخية.