عاد مصطلح «الدارك ويب» إلى واجهة النقاش مجددًا، بعد إعادة عرض حكاية «لعبة جهنم» ضمن مسلسل «القصة الكاملة»، وهي القصة المستوحاة من جريمة طفل شبرا الخيمة، التي تضمنت تصوير جريمة قتل الطفل بهدف استغلال المشاهد وعرضها عبر الشبكة المظلمة.
وتزامن ذلك مع تطورات جريمة «المجزرة الأسرية» في 15 مايو، التي أسفرت عن مقتل 4 أشخاص، بعدما كشفت التحقيقات عن اعتراف المتهم بالحصول على السلاح المستخدم في الجريمة عبر أحد مواقع الدارك ويب.
ومن الجرائم التي تناولتها الدراما إلى الوقائع التي أثارت الرأي العام، عاد «الدارك ويب» ليكون محل اهتمام وتساؤلات عدة: ما المقصود به؟ وما الفرق بينه وبين «الديب ويب»؟ وكيف تتم التعاملات عبر هذه الشبكات؟ ولماذا ترتبط بها بعض الأنشطة الإجرامية؟ وما علاقة العملات الرقمية بهذه المعاملات؟
ما هو الدارك ويب؟ وما الفرق بينه وبين الديب ويب؟
يخلط كثيرون بين مصطلحي «الدارك ويب» و«الديب ويب»، باعتبارهما مرتبطين بمحتوى غير ظاهر لعامة مستخدمي الإنترنت، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بينهما.
ولتوضيح الصورة، يمكن تقسيم الإنترنت بصورة مبسطة إلى ثلاثة مستويات رئيسية: الويب السطحي، والويب العميق، والويب المظلم، وفقًا لما أورده تقرير لموقع «لايف هاكر».
ويُقصد بـ«الويب السطحي» الجزء من الإنترنت الذي يتعامل معه المستخدمون بصورة يومية، وتستطيع محركات البحث التقليدية مثل «جوجل» و«بينج» فهرسة صفحاته والوصول إليها، ومن أمثلته مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الفيديو.
أما «الويب العميق» فيشمل المحتوى الموجود على شبكة الإنترنت لكنه غير مفهرس في محركات البحث، مثل البريد الإلكتروني والحسابات المصرفية وقواعد البيانات والملفات التي لا يمكن الوصول إليها إلا بعد تسجيل الدخول.
ويُعد «الويب المظلم» جزءًا محدودًا من الويب العميق، لكنه يختلف عنه في تصميمه الذي يركز على إخفاء هوية المستخدمين ومواقع الخدمات. ويتطلب الوصول إلى بعض خدماته استخدام أدوات أو شبكات خاصة، من أبرزها شبكة «تور»، التي ترتبط بعض خدماتها بعناوين تنتهي بالنطاق «أونيون».
لماذا يجذب الدارك ويب الأنشطة الإجرامية؟
تتيح طبيعة بعض الشبكات المظلمة مستويات مرتفعة من إخفاء الهوية، وهو ما جعلها بيئة تستغلها جماعات وأفراد في ممارسة أنشطة غير قانونية.
ومن بين الأنشطة التي ارتبطت ببعض أسواق الدارك ويب بيع المخدرات والأسلحة والبيانات المسروقة والوثائق المزورة، إلى جانب محتوى إجرامي ومواد أو أدوات يمكن استخدامها في تنفيذ هجمات إلكترونية وعمليات قرصنة.
لكن ارتباط الدارك ويب بهذه الأنشطة لا يعني أن جميع استخداماته غير قانونية؛ إذ يمكن الاستفادة من التقنيات التي تقوم عليها الشبكات المظلمة في أغراض مشروعة، خاصة فيما يتعلق بحماية الخصوصية وإخفاء هوية المستخدمين.
كما يستخدمها بعض الصحفيين والمبلغين عن المخالفات والأشخاص الموجودين في دول تفرض قيودًا ورقابة مشددة على الإنترنت، بهدف حماية هوياتهم وتأمين اتصالاتهم.
وبحسب دراسة أجراها باحثان من «كينجز كوليدج لندن» على مواقع ضمن شبكة «تور»، ارتبط نحو 57% من المواقع التي شملتها الدراسة بمحتوى غير مشروع، بينما لم ترتبط النسبة المتبقية بأنشطة إجرامية أو غير أخلاقية.
العملات المشفرة.. كيف تتم المعاملات المالية؟
لا تعتمد بعض التعاملات المرتبطة بالأسواق الموجودة على الدارك ويب على وسائل الدفع التقليدية، إذ تلجأ بعض الجهات إلى العملات المشفرة، مثل «بيتكوين»، لإتمام عمليات الدفع من خلال عناوين رقمية.
ورغم أن استخدام العملات المشفرة قد يوفر قدرًا من الخصوصية، فإنه لا يعني بالضرورة استحالة تتبع المعاملات، إذ يمكن في بعض الحالات تحليل حركة الأموال وربطها بعناوين ومحافظ رقمية.
وتوفر بعض العملات المشفرة، مثل «مونيرو»، خصائص تركز بصورة أكبر على تعزيز الخصوصية مقارنة بعملات أكثر انتشارًا مثل «بيتكوين».
ولا يقتصر استخدام العملات المشفرة في هذا السياق على شراء السلع أو الخدمات غير المشروعة، إذ يمكن توظيفها أيضًا في محاولات إخفاء مصادر الأموال الناتجة عن أنشطة إجرامية وغسلها، وهو ما ظهر في عدد من التحقيقات والقضايا الدولية التي أعلنت عنها جهات إنفاذ القانون، بينها وزارة العدل الأمريكية.
هل يمكن مواجهة الجرائم المرتبطة بالدارك ويب؟
ومع تكرار وقائع ارتبط فيها اسم «الدارك ويب» بجرائم أثارت اهتمام الرأي العام، تصاعدت المطالب بتعزيز قدرة أجهزة إنفاذ القانون على رصد الأنشطة الإجرامية التي تستغل الشبكات المظلمة.
وتشمل المطالب تطوير أدوات الرصد والكشف المبكر، وتشديد إجراءات حماية الأطفال من الاستدراج والابتزاز والاستغلال الإلكتروني، إلى جانب تحديث الأطر التشريعية بما يتناسب مع التطور المتسارع في أساليب ارتكاب الجرائم الإلكترونية.
دول تفرض قيودًا على الوصول إلى «تور»
واتجهت بعض الدول إلى فرض قيود بدرجات متفاوتة على الوصول إلى شبكة «تور»، التي تُستخدم في تشغيل عدد من الخدمات المرتبطة بالويب المظلم.
ومن بين الدول التي اتخذت إجراءات أو قيودًا على الوصول إلى «تور» الصين وروسيا وتركمانستان وإيران، في إطار سياسات أوسع للرقابة على الإنترنت ومحاولة الحد من الوصول إلى شبكات وخدمات تتيح إخفاء هوية المستخدمين.
وبين الاستخدامات المشروعة المرتبطة بالخصوصية، والاستغلال الإجرامي الذي تكشف عنه التحقيقات من حين إلى آخر، يظل «الدارك ويب» مساحة رقمية معقدة، لا يمكن اختزالها بالكامل في الجريمة، لكنها في الوقت نفسه تمثل تحديًا متزايدًا أمام أجهزة إنفاذ القانون في مواجهة الأنشطة غير المشروعة التي تستغل أدوات إخفاء الهوية.




