ترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة، اليوم، اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، بالتزامن مع احتفالات مصر والقوات المسلحة بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة.
وألقى الرئيس السيسي كلمة بهذه المناسبة، استحضر خلالها بطولات القوات المسلحة وتضحيات الشهداء، مؤكدًا أن روح أكتوبر ستظل مصدرًا للعزيمة والإصرار في مواصلة مسيرة بناء الدولة.
وتناول الرئيس خلال كلمته عددًا من الملفات الداخلية والإقليمية، مشددًا على أهمية مواصلة جهود الإصلاح والتنمية، والحفاظ على تماسك الدولة واستقرارها، كما أكد ثوابت الموقف المصري تجاه القضية الفلسطينية، ورفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وضرورة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
كما شدد الرئيس على أن أمن دول الخليج العربي يمثل جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، مؤكدًا رفض مصر أي اعتداءات تستهدف الدول العربية، إلى جانب التأكيد على أهمية الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية.
وفيما يتعلق بملف مياه النيل، أكد الرئيس أن النهر يمثل شريان الحياة لمصر، وأن حصة مصر المائية حق تاريخي وقانوني راسخ، مشددًا على أن الدولة المصرية لن تسمح بأي إجراءات تمس أمنها المائي، مع استمرارها في التعاون والتنمية المشتركة مع دول حوض النيل.
وفيما يلي نص كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي:
نص كلمة الرئيس السيسي في ذكرى انتصارات أكتوبر
بسم الله الرحمن الرحيم
شعب مصر العظيم،
أبناء قواتنا المسلحة الباسلة،
السيدات والسادة،
في مثل هذا اليوم الخالد من تاريخ أمتنا، سطر المصريون صفحة ناصعة في سجل المجد الوطني، حين انتفضت الإرادة المصرية، لتؤكد للعالم أجمع أن مصر لا تفرط في أرضها، وأن الشعوب العظيمة تملك دائمًا القدرة على تحويل الهزيمة إلى نصر وعبور نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
وفي هذه المناسبة الوطنية المجيدة، أتوجه بتحية إجلال وتقدير إلى رجال قواتنا المسلحة الباسلة، خير أجناد الأرض، سيف الوطن ودرعه، وأقول لهم:
"لقد لبيتم نداء الوطن، في واحدة من أدق وأخطر لحظات تاريخه، وحملتم على عاتقكم مسؤولية استرجاع أرضه واستعادة كرامته الوطنية، فكنتم على قدر الأمانة والمسؤولية، وستبقون، بإذن الله، الحصن المنيع لهذا الوطن، والركيزة الراسخة لأمنه واستقراره".
وبكل إجلال وإكبار، أحيي أرواح شهدائنا الأبرار، وأؤكد لأسرهم وذويهم أن مصر لن تنسى أبدًا أبناءها الأوفياء، وستظل الدولة ملتزمة بتقديم كل أشكال الدعم لهم.
كما أتوجه بالتحية والتقدير إلى جرحانا الأبطال، وأقول لهم:
"إن جراحكم ستبقى نياشين شرف وعزة وكرامة على صدر مصر، وشاهدًا خالدًا على إخلاصكم وتفانيكم في أداء الواجب".
روح أكتوبر.. مصدر العزيمة
السيدات والسادة،
إننا نستحضر ذكرى نصر أكتوبر المجيد للوقوف أمام صفحات التاريخ المضيئة، لنستلهم الدروس والعبر، ونستحضر معاني الإرادة والعمل، والإيمان بالقدرة على الإنجاز وصناعة المستقبل.
لقد كان نصر أكتوبر العظيم ثمرة سنوات من العمل الدؤوب والإعداد المتقن، وكان وراء ذلك كله إيمان راسخ بأن النصر حليف لمن يأخذ بأسباب القوة، ويؤدي واجبه بإخلاص وتجرد وتفانٍ.
وبهذا الإيمان انتصرنا في أكتوبر عام 1973، وبروح أكتوبر نستمد اليوم عزيمتنا لمواصلة بناء الجمهورية الجديدة.
مواجهة التحديات وبناء الجمهورية الجديدة
وأعلم يقينًا أن الأعباء المعيشية تثقل كاهل الأسر المصرية، وأقدر صبركم وتحملكم، وأقول لكم بكل وضوح وصراحة:
"إن الدولة لم ترتضِ الاكتفاء بإدارة المشكلات المتراكمة، عبر عقود طويلة دون حلها، وإننا رفضنا هذا النهج، واخترنا الطريق الأصعب والأشرف، بأن نتحمل مسؤولية الإصلاح، وأن نواجه التحديات، ونضع الحلول الجذرية لها".
وأشير هنا إلى أن بناء الأوطان أمانة ومسؤولية، سنُسأل عنها أمام الله سبحانه وتعالى وأمام التاريخ.
وقد أمرنا الله عز وجل بالسعي والإصلاح والإعمار، وجعل العمل الجاد والأخذ بالأسباب سبيلًا للتقدم والنجاح، ولم يجعل الاستسلام للمشكلات أو الهروب من مواجهتها أو الاكتفاء بالمسكنات المؤقتة طريقًا لنهضة الأمم أو ازدهارها.
ومن هذا المنطلق، كان واجبًا علينا، بل كان قدرنا ومسؤوليتنا الوطنية والتاريخية، أن نواجه هذه التحديات، وأن نواصل مسيرة البناء والتقدم، نحو مستقبل يليق بمصر وشعبها وتاريخها.
مصر في مواجهة التحديات الإقليمية
السيدات والسادة،
إننا نعيش اليوم في منطقة تعصف بها الأزمات والاضطرابات، وعالم يشهد تحولات متسارعة وتحديات غير مسبوقة، عصفت بدول، وأودت باستقرار أوطان، وأدت إلى تشريد الملايين من الأبرياء.
غير أن الله سبحانه وتعالى قد حفظ مصر وشعبها، وذلك بفضله وعنايته، ثم بوعي الشعب المصري العظيم، وتماسك جبهته الداخلية، وتضحيات وبسالة قواته المسلحة وشرطته المدنية، وجهود جميع مؤسسات الدولة المصرية.
وأعاود التأكيد على ما ذكرته لكم مؤخرًا، بأن التحديات لا تزال قائمة، وأن المخططات التي تستهدف النيل من استقرار مصر لم تتوقف.
لكنني أقول لكم في الوقت ذاته، وبكل ثقة واطمئنان:
"إن الدولة المصرية قوية بمؤسساتها، متماسكة بإرادة شعبها، وقادرة على حماية أمنها القومي، وصون مقدراتها والحفاظ على استقرارها".
وإنني على يقين راسخ بأن الله عز وجل يحفظ مصر، ولن يستطيع أحد أن يمس أمنها، أو ينتقص من مقدرات شعبها، أو يفرض إرادته على هذا الوطن العظيم.
القضية الفلسطينية ورفض التهجير
وأؤكد مجددًا للمجتمع الدولي، في هذا السياق، أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، تظل الضمانة الوحيدة لتحقيق السلام العادل والدائم والاستقرار في الشرق الأوسط.
وأذكر الجميع بأن مصر وإسرائيل خاضتا حروبًا امتدت على مدار عقود، قبل أن تفتح شجاعة القيادة السياسية، وبعد نظرها آنذاك، مدعومة بالوساطة الأمريكية، باب السلام وإنهاء العداء بين البلدين.
وهو ما يؤكد أن السلام ليس حلمًا مستحيلًا، وإنما خيار واقعي قادر على إنهاء الصراعات وتحقيق التعايش السلمي بين الشعوب.
وفي هذا الإطار، أشدد مجددًا على رفضنا التام لأي محاولات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، كما أشدد على ضرورة التنفيذ الكامل لخطة الرئيس دونالد ترامب لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وعدم الالتفاف على تنفيذها أو تجاهلها.
وأؤكد موقف مصر الثابت الداعم للحفاظ على وحدة وسيادة الدول العربية الشقيقة وسلامة أراضيها، ورفض أي مساس بمؤسساتها الوطنية.
كما أؤكد أن أمن دول الخليج العربي يعتبر جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأجدد إدانة مصر ورفضها القاطع لأي اعتداءات تستهدف الدول العربية.
كما أؤكد ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية.
مياه النيل.. حق تاريخي وقانوني
أما فيما يتعلق بنهر النيل، فأقول بكل وضوح وحسم:
"إن النيل هو شريان الحياة لمصر، وأساس وجودها عبر آلاف السنين، وإن حصة مصر المائية هي حق تاريخي وقانوني راسخ، لا يقبل الانتقاص منه أو المساس به".
ومصر، كما كانت دائمًا، تمد يدها بالتعاون والتنمية المشتركة مع أشقائها في دول حوض النيل، ولن تسمح في الوقت ذاته بأي إجراء يمس أمنها المائي، وستواصل الدفاع عن هذه الحقوق بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي.
القوات المسلحة على أهبة الاستعداد
أبناء مصر الكرام،
في الختام، أؤكد لكم أن القوات المسلحة المصرية تقف، كما عهدها الشعب دائمًا، على أهبة الاستعداد للدفاع عن مصر ومقدراتها وأمنها القومي، في كل زمان وتحت أي ظرف.
كما أؤكد أن شعب مصر العظيم، الذي صنع ملحمة العبور، وأبهر العالم بإرادته وصبره وقدرته على تجاوز التحديات، قادر، بإذن الله، على مواصلة مسيرة البناء والتنمية، وصناعة مستقبل أكثر إشراقًا وقوة وازدهارًا لأبنائه وأحفاده.
حفظ الله مصر، وحفظ شعبها،
وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار.
وبالله تعالى:
تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




