تحولت مداخلة هاتفية إلى مواجهة سياسية ساخنة، بعدما طرح الكاتب الصحفي مصطفى بكري، عضو مجلس النواب، فكرة إعداد دستور جديد يتيح استمرار الرئيس عبد الفتاح السيسي في الحكم بعد انتهاء ولايته الحالية عام 2030، وهو المقترح الذي واجهه الإعلامي عمرو أديب بسلسلة من الأسئلة والاعتراضات، مستندًا إلى تصريحات الرئيس بشأن تمسكه بالدستور وعدم رغبته في الترشح لفترة جديدة.
وشهد برنامج «الحكاية»، المذاع عبر قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة 30 أكتوبر 2026، سجالًا مطولًا بين الطرفين، تخللته مقاطعات متكررة ومناقشات حادة بشأن تداول السلطة، ومدى الحاجة إلى دستور جديد، وحق الشعب في تحديد مستقبل النظام السياسي، وقدرة الدولة على تقديم بدائل وقيادات جديدة.
ودافع بكري عن مقترحه باعتباره رأيًا شخصيًا يستهدف، بحسب طرحه، استكمال ما وصفه بالمشروع الوطني ومواجهة التحديات الإقليمية، بينما اعتبر أديب أن إعلان الرئيس موقفه من عدم الترشح مجددًا يمثل فرصة لفتح المجال أمام المنافسة السياسية وتداول السلطة، متسائلًا عن جدوى تغيير الدستور إذا كان الرئيس نفسه لا يرغب في ذلك.
بداية المواجهة.. «إنت عايز تعمل دستور جديد؟»
بدأ الخلاف بعدما استعرض بكري ما يراه إنجازات تحققت خلال فترة حكم الرئيس السيسي، وتحدث عن التحديات التي تواجه مصر، مستشهدًا بتجربتي الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل أن يطرح فكرة إعداد دستور جديد بدلًا من الاكتفاء بتعديل الدستور الحالي.
وحاول أديب التأكد من طبيعة المقترح، قائلًا: «يا أستاذ مصطفى، أنا سمعتك صح؟ إنت عايز تقول لي إن إحنا نروح نعمل دستور جديد؟».
وعندما أوضح بكري أن هدفه هو إتاحة استمرار الرئيس في استكمال مشروعه، رد أديب بعبارة لخصت اعتراضه على الفكرة: «إنت كده يا فندم مش هتخترق المادة 226، إنت هتخترق الدستور كله».
وبعد إصرار أديب على معرفة المقترح بصورة مباشرة، أكد بكري أنه يدعو إلى وضع دستور جديد، معتبرًا أن أي وسيلة تتيح استمرار السيسي في قيادة الدولة ومواجهة التحديات ستكون محل تأييد منه.
لماذا تغيير الدستور إذا كان الرئيس يرفض؟
انتقل النقاش إلى الهدف من إعداد دستور جديد، ومدى ارتباط الفكرة بفتح مدد رئاسية إضافية أمام الرئيس السيسي. ورأى أديب أن المقترح يستهدف تجاوز القيود الدستورية المتعلقة بمدد الرئاسة، متسائلًا عن مبرر تغيير الوثيقة الدستورية في ظل إعلان الرئيس تمسكه بالدستور الحالي.
وقال أديب لبكري: «إنت قلت لي إنك هتغيره عشان الرئيس، يعني مش مرتبط بالرئيس؟ أنا هغيره ليه إذا كان الرئيس من الأول رافض؟».
ورد بكري بأن دعوته تمثل رأيًا شخصيًا، موضحًا أنه يرى ضرورة البحث عن مخرج قانوني ودستوري يسمح باستمرار الرئيس إذا توافرت الإرادة لذلك.
وأضاف: «ده اقتراح شخصي، اقتراح شخصي»، مؤكدًا تمسكه برأيه حتى لو لم يكن الرئيس راغبًا في الاستمرار.
في المقابل، عاد أديب للتأكيد على أن موقف الرئيس المعلن يجب أن يكون محل اعتبار، متسائلًا عن جدوى الدخول في نقاش لتغيير الدستور من أجل شخص أعلن رفضه الترشح مجددًا.
«مفيش حد في مصر ينفع يبقى رئيس؟».. أزمة البديل
طرح أديب سؤالًا محوريًا بشأن وجود بدائل سياسية قادرة على تولي الرئاسة بعد انتهاء الولاية الحالية، متسائلًا عما إذا كانت مصر تفتقر إلى شخصيات يمكنها قيادة الدولة.
وقال: «هو ما فيش حد في مصر ينفع يبقى رئيس؟»، ليرد بكري بالإيجاب، مؤكدًا أن هناك شخصيات مؤهلة، لكنه يرى أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار السيسي لاستكمال مشروعه ومواجهة التحديات.
وأكد أديب أن تداول السلطة يمثل فرصة لبناء حياة سياسية طبيعية، مشيرًا إلى أن الرئيس أتاح، من خلال إعلانه عدم الترشح مجددًا، المجال أمام ظهور قيادات جديدة.
وأضاف: «كلنا راحلون»، معتبرًا أن انتقال السلطة بصورة طبيعية يمنح الدولة فرصة لتجديد قياداتها ومؤسساتها.
ورد بكري بأنه لا يرغب في المجازفة بمستقبل الدولة في ظل ما وصفه بالتحديات الكبيرة، قائلًا: «أنا عندي مشروع وطني لم يكتمل يا أستاذ عمرو، وعندي قائد أنا محتاجه لهذه الفترة».
لكن أديب رفض الربط بين تغيير القيادة والمخاطرة بمستقبل البلاد، متسائلًا: «واللي جاي هيبقى صاحب مشروع وطني. هو ليه لازم ييجي جاسوس؟ هو ليه لازم ييجي خاين؟».
ووصل النقاش إلى سؤال أديب: «مصر ولادة وعظيمة ولا أُجهضت؟»، في إشارة إلى التناقض، من وجهة نظره، بين التأكيد على امتلاك مصر كوادر وقيادات وبين القول بعدم وجود بديل مناسب للرئيس الحالي.
استدعاء أحداث 2012.. هل يمكن ظهور رئيس غير متوقع؟
استعاد أديب بداية ظهور السيسي على الساحة السياسية، متسائلًا عما إذا كان بكري يتوقع وصوله إلى الرئاسة قبل سنوات، في محاولة للتأكيد على إمكانية ظهور شخصيات جديدة لم تكن مطروحة بقوة في المشهد السياسي.
ورد بكري بالإشارة إلى حوار سابق جمعهما في يوليو 2012، قال خلاله إنه ذكر اسم السيسي عندما سأله أديب عن الشخصية التي قد تتولى وزارة الدفاع خلفًا للمشير محمد حسين طنطاوي.
واعتبر أديب أن هذه الواقعة تؤكد إمكانية وصول شخصيات جديدة إلى مواقع القيادة، حتى لو لم تكن معروفة لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
كما تساءل عن فلسفة تحديد عدد مرات الترشح للرئاسة في الدستور، وما إذا كان من الممكن تغيير هذه القواعد بصورة تتيح مددًا مختلفة.
وفي المقابل، تمسك بكري بأن اعتراضه يرتبط بالظروف الحالية، متسائلًا عما إذا كان من المناسب وصول شخص وصفه بـ«المغامر» إلى الحكم في ظل التحديات القائمة.
بكري يكشف ما قاله له الرئيس: «الموضوع محسوم»
شهدت المداخلة لحظة لافتة عندما استشهد بكري بموقف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عقب نكسة يونيو 1967، وخروجه من الحكم ثم مطالبة جماهير باستمراره، في سياق حديثه عن حق المواطنين في التعبير عن رغبتهم بشأن استمرار الرئيس السيسي.
وخلال النقاش، أكد بكري أن الرئيس السيسي أبلغه بحسم موقفه من عدم الترشح مجددًا، قائلًا: «ده الرجل ده لما بكلمه قال أنا حسمت موقفي ومحدش يناقشني».
وسأله أديب عما إذا كان الرئيس قد قال ذلك بالفعل، فأكد بكري صحة ما نقله، مضيفًا أن السيسي قال له إن «الموضوع محسوم».
وأثار هذا التصريح تساؤلات أديب بشأن جدوى طرح مقترحات لتغيير الدستور من أجل استمرار الرئيس، بعدما أكد ضيفه أن الرئيس حسم موقفه ولا يرغب في إعادة فتح الملف.
«ناخد رأي الناس».. خلاف حول الاستفتاء والمادة الرابعة
امتد السجال إلى الآلية الدستورية التي يمكن من خلالها العودة إلى الشعب، بعدما دعا بكري إلى إجراء استفتاء، مستندًا إلى المادة الرابعة من الدستور التي تنص على أن السيادة للشعب وأنه مصدر السلطات.
وقال بكري: «ناخد رأي الناس، نعمل استفتاء»، موضحًا أن المواطنين يمكنهم التعبير عن موقفهم من استمرار الرئيس أو الالتزام بالقيود الدستورية القائمة.
لكن أديب اعترض على الطرح، متسائلًا عن وجود نص دستوري يتيح إجراء استفتاء بهذه الصورة، وطالب بتوضيح الأساس القانوني للمقترح.
ورد بكري بالإشارة إلى المادة الرابعة، ثم طرح فكرة تشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد.
وفي المقابل، اعتبر أديب أن هذا المسار قد يؤدي إلى هدم الإطار الدستوري القائم، قائلًا: «لا، يا راجل، إنت هتهد البلد كلها بقى».
وأكد بكري أنه لا يدعو إلى تجاوز المادتين 226 و140، بينما رأى أديب أن تغيير الدستور بما يسمح بإعادة النظر في مدد الرئاسة يمثل، من وجهة نظره، تجاوزًا للقيود التي تنظم هذا الملف.
«كان ناقص يحلف على المصحف».. أديب يتمسك بتصريحات الرئيس
عاد أديب إلى التصريحات التي أعلن فيها السيسي تمسكه بالدستور وعدم رغبته في الترشح لفترة رئاسية جديدة، معتبرًا أن تكرار الرئيس لهذا الموقف يحسم الجدل بشأن مستقبله السياسي.
وقال أديب: «إنت تلات أيام ورا بعض، كان ناقص يحلف على المصحف. تلات أيام ورا بعض يا مصطفى بيقول لك أنا مش ناوي أرشح نفسي تاني ولن أمس الدستور، وده قراري».
ورد بكري بأنه يتمسك برأيه الشخصي، قائلًا: «إحنا كمان لنا قرارنا ومتمسكين بيه. أنا متمسك بيه شخصيًا»، موضحًا أن موقفه يستند إلى ما وصفه بالمشروع الوطني.
واستشهد بكري مجددًا بالتجربتين الصينية والتركية، إلا أن أديب اعترض على المقارنة، متسائلًا عن مدى اختلاف طبيعة النظام السياسي في تلك الدول عن الحالة المصرية.
«ليه لازم فكرة القائد والأب؟».. دولة المؤسسات في قلب النقاش
توسع الحوار ليشمل طبيعة الدولة وعلاقة مؤسساتها بشخص رئيس الجمهورية، بعدما شدد أديب على ضرورة بناء نظام سياسي قادر على الاستمرار مع تغير الرؤساء.
وقال: «ما نعمل دولة مؤسسات؟ ليه لازم فكرة القائد والأب؟ ما نغير؟».
ورد بكري بأن مؤسسات الدولة قائمة بالفعل، لكنه يرى أن الرئيس يمثل رمزًا لهذه المؤسسات، مشيرًا إلى ما يعتبره دورًا محوريًا للسيسي في بناء الدولة ومواجهة التحديات.
وفي المقابل، تساءل أديب عن مدى منطقية ربط استقرار الوطن ببقاء شخص واحد، قائلًا: «إيه رهن الوطن بالرئيس؟ ده يبقى وطن غريب أوي إن لو شخص اختفى البلد كلها تقع».
وتمسك بكري بوجهة نظره، معتبرًا أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار قيادة تمتلك الخبرة والقدرة على التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية.
خلاف حول الاستقرار والتحديات الإقليمية
ناقش الطرفان كذلك طبيعة التحديات التي تواجه مصر، ومدى تأثيرها في اختيار القيادة المقبلة. وتساءل أديب عن التناقض بين الحديث عن استقرار الدولة والقول في الوقت نفسه إن تغيير القيادة قد يعرضها للخطر.
وقال: «إنتوا مش قلتوا استقرت؟ إنتوا مش قلتوا بقت آمنة مطمئنة؟ مش قلتوا قضينا على الإرهاب؟ هو إحنا كده ولا كده؟».
ورد بكري بأن الرئيس لا يمكن أن يترك البلاد إلا وهي مستقرة، مؤكدًا أن السيسي يحب مصر، وأن استمرار قيادته يرتبط، من وجهة نظره، بحجم المخاطر المحيطة بالدولة.
وتحدث بكري عن تطورات الأوضاع في السودان وإثيوبيا والتحديات المرتبطة بالأمن القومي، محذرًا من الضغوط التي قد يتعرض لها أي رئيس جديد.
لكن أديب رأى أن وجود رئيس جديد لا يعني بالضرورة التخلي عن الثوابت الوطنية، متسائلًا عن سبب افتراض أن أي قيادة مقبلة قد تتعرض للضغوط أو تفرط في مصالح البلاد.
«طب ما نقفل مجلس النواب والشيوخ».. تداول السلطة والأحزاب
انتقل أديب إلى مستقبل الحياة السياسية، معتبرًا أن انتهاء الولاية الرئاسية الحالية يتيح فرصة لتطوير الأحزاب وتعزيز المنافسة وفتح المجال أمام المواطنين لاختيار قيادات جديدة.
وقال إن إعلان الرئيس عدم الترشح يمثل «فرصة ذهبية» لبناء مسار ديمقراطي يسمح بوجود أحزاب قوية ومنافسة سياسية حقيقية، محذرًا من استمرار التعامل مع كل مرحلة باعتبارها ظرفًا استثنائيًا.
وأضاف: «فرصة ذهبية إن هذا البلد يكون فيه سياق ديمقراطي، يبقى فيه أحزاب يا راجل، يبقى فيه ناس بتختار».
وفي سياق انتقاده لربط مؤسسات الدولة بالظروف الاستثنائية، قال أديب ساخرًا: «طب ما نقفل يا فندم مجلس النواب ده، اقفله، ومجلس الشيوخ اقفله».
ورد بكري متسائلًا عن سبب إغلاق المجلسين، ليعود أديب إلى التساؤل عن جدوى المؤسسات إذا لم تكن قادرة على أداء دورها في إطار تداول السلطة.
«هنجيب مصطفى بكري رئيس».. لحظة ساخرة وسط السجال
تخللت المواجهة لحظة ساخرة، عندما طالب بكري أديب بتحديد الشخصية التي يمكن أن تتولى الرئاسة بعد انتهاء الولاية الحالية.
وقال بكري: «هنجيب مين بقى؟ هتختار لي مين بقى؟»، ليرد أديب مازحًا: «هنجيب مصطفى بكري يا أخي».
ورفض بكري الفكرة، قائلًا إن مصطفى بكري لا يصلح لهذا المنصب، قبل أن يوضح أنه يرى ضرورة وجود قائد يمتلك الخبرة والقدرة على التواصل ومواجهة التحديات، ولديه إرادة سياسية تمكنه من إدارة المرحلة المقبلة.
هل يتحول مقترح الدستور الجديد إلى تحرك برلماني؟
مع اقتراب المداخلة من نهايتها، سأل أديب ضيفه عما إذا كان ينوي تحويل مقترحه إلى خطوة داخل مجلس النواب، من خلال المطالبة رسميًا بإعداد دستور جديد أو تغيير الدستور القائم.
لكن بكري نفى وجود تحرك برلماني في هذا الاتجاه حتى الآن، مؤكدًا أن ما طرحه خلال المداخلة يعبر عن قناعته الشخصية، ولم يتحول إلى مبادرة أو تحرك بالتنسيق مع نواب آخرين.
وقال: «أنا بطرح اقتراح للتفعيل، ده إيماني، إنما يتحول ده إلى حركة، لسه ده ما تمش».
وجدد بكري أمنيته باستمرار الرئيس السيسي في قيادة البلاد، داعيًا إلى البحث عن مخرج يراه مقبولًا من الناحية الجماهيرية والدستورية.
واختتم أديب المواجهة بسؤال أعاد النقاش إلى جوهر الخلاف، وهو حق كل طرف في طرح موقفه، مقابل حق الرئيس في اتخاذ قراره، قائلًا: «هو حقك تطلب هذه المطالب، وهو من حقه أن يقول آه ولا، صح؟».
ورد بكري: «بالضبط».



