«أنفقتم 42 مليون دولار لهزيمتي.. شكرًا لأنكم مكنتموني من هزيمتكم مرتين».. بهذه الكلمات وجّه عبد الرحمن السيد رسالة إلى لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، عقب فوزه بمقعد ميشيجان في مجلس الشيوخ الأمريكي، في إشارة إلى الأموال الضخمة التي أُنفقت لمواجهته، دون أن تنجح في إبعاده عن المنافسة.
وجاء فوز السيد بعد تغلبه على النائبة الديمقراطية هيلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية للحزب، ثم تفوقه على الجمهوري مايك روجرز في الانتخابات العامة، ليصبح أول مسلم يُنتخب عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي، وفقًا لما أورده النص.
ولم تتوقف أصداء النتيجة عند حدود المنافسة الانتخابية، بل أعادت تسليط الضوء على نفوذ «أيباك»، إحدى أبرز جماعات الضغط في واشنطن، وفتحت الباب أمام تساؤلات بشأن حدود تأثير المال السياسي في اختيارات الناخبين، وطبيعة المواجهة المتصاعدة مع المنظمة.. فما قصتها؟
ما هي «أيباك»؟ وكيف تؤثر في القرار الأمريكي؟
تُعرف لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية باسم «أيباك» (AIPAC)، وهي منظمة ضغط سياسي تعمل على تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتسعى إلى التأثير في مواقف أعضاء الكونجرس وصناع القرار الأمريكي.
وتستند المنظمة إلى شبكة واسعة من المانحين والعلاقات السياسية داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتستخدم أدوات متعددة للتأثير في المشهد السياسي، من بينها التواصل مع المشرعين وحشد الدعم للمرشحين المؤيدين للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ومواجهة المرشحين الذين يتبنون مواقف منتقدة لها.
ولا يقتصر نشاطها على أروقة الكونجرس، إذ تمتد تحركاتها إلى الانتخابات، من خلال لجان سياسية، أبرزها «مشروع الديمقراطية المتحدة» (United Democracy Project)، الذي ينفق أموالًا بصورة مستقلة لدعم مرشحين أو التصدي لآخرين.
ماذا يعني مصطلح «اللوبي»؟
يشير مصطلح «اللوبي» إلى جماعات الضغط التي تسعى للتأثير في القرارات الحكومية والتشريعية، عبر التواصل مع المسؤولين، وحشد المؤيدين، واستخدام التمويل السياسي ووسائل التأثير المختلفة.
وتُعد «أيباك» واحدة من أبرز جماعات الضغط في الولايات المتحدة، نظرًا لما تمتلكه من إمكانات مالية وشبكة علاقات مؤثرة داخل الكونجرس، لا سيما في القضايا المرتبطة بإسرائيل والمساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة لها.
لماذا أخفقت «أيباك» في مواجهة عبد الرحمن السيد؟
رغم الحملات المكثفة والأموال التي أُنفقت لمواجهة عبد الرحمن السيد، تمكن من حسم الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، ثم الفوز في الانتخابات العامة.
وقال السيد إن المنظمة أنفقت 42 مليون دولار بهدف هزيمته، فيما أشارت تقارير إلى أن الجهات المرتبطة بها أنفقت أكثر من 30 مليون دولار خلال الانتخابات التمهيدية وحدها.
ولم تقتصر رسائل حملته الانتخابية على القضية الفلسطينية وانتقاد الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، بل امتدت إلى ملفات داخلية تمس حياة الناخبين، وفي مقدمتها تكاليف المعيشة والرعاية الصحية، فضلًا عن الاعتراض على نفوذ الأموال الضخمة في توجيه المنافسة السياسية.
وبذلك تحولت الحملات المدفوعة لمواجهته إلى محور أساسي في خطابه الانتخابي، مستفيدًا من تصاعد النقاش بشأن دور جماعات الضغط والتمويل السياسي في تحديد نتائج الانتخابات.
رشيدة طليب وهيل هاربر.. مواجهات سابقة مع نفوذ المنظمة
لم تكن مواجهة «أيباك» في ميشيجان الأولى من نوعها، إذ شهد عام 2023 واقعة أثارت جدلًا بشأن محاولات التأثير في المنافسة الانتخابية، بعدما كشف الممثل والمرشح الديمقراطي هيل هاربر عن رفضه عرضًا بقيمة 20 مليون دولار للانسحاب من سباق مجلس الشيوخ، والتوجه بدلًا من ذلك لمنافسة النائبة الفلسطينية الأمريكية رشيدة طليب.
وقال هاربر، عبر حسابه على منصة «إكس»، إنه لن يقبل التعرض للضغط أو التنمر أو محاولات شرائه، بينما نفت «أيباك» تورطها في العرض، وربطت تقارير صحفية الواقعة برجل الأعمال ليندن نيلسون، الذي تربطه علاقات بمجموعات مؤيدة لإسرائيل.
مجموعات سياسية تنافس نفوذ «أيباك» في الكونجرس
في مواجهة نفوذ المنظمة، برزت مجموعات سياسية تسعى إلى دعم مرشحين يتبنون مواقف أكثر انتقادًا للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، ومن بينها «أمريكان برايوريتيز» و«بال باك» و«تراك أيباك».
وتقول مجموعة «أمريكان برايوريتيز» إن مرشحيها حققوا الفوز في 11 من أصل 12 سباقًا انتخابيًا شاركت فيها، فيما تعمل هذه المجموعات على تعزيز حضور كتلة داخل الكونجرس تطالب بمراجعة المساعدات العسكرية وصفقات السلاح الأمريكية المقدمة لإسرائيل.
وتستند هذه التحركات إلى تنامي الأصوات المطالبة بإعادة تقييم طبيعة الدعم الأمريكي، ومحاولة تحويل هذا التوجه إلى مواقف تشريعية داخل مجلسي الكونجرس.
هل انتهى نفوذ «أيباك» في واشنطن؟
رغم خسارة المنظمة في مواجهة عبد الرحمن السيد، فإن هذه النتيجة لا تعني انتهاء نفوذها السياسي، إذ لا تزال تمتلك موارد مالية كبيرة وشبكة علاقات واسعة داخل الكونجرس، لكنها تكشف في المقابل عن تصاعد المنافسة أمامها وتغير مواقف قطاعات من الناخبين، خصوصًا داخل الحزب الديمقراطي.
كما أشارت تقارير إلى وقف المنظمة التأييد الرسمي والتبرعات المباشرة عبر لجنة عملها السياسي، مع استمرار نشاط «مشروع الديمقراطية المتحدة»، وهو ما يعكس تغيرًا في أدوات تحركها الانتخابي، وليس بالضرورة تخليها عن دورها السياسي، وفقًا لما ذكرته شبكة «إن بي آر» الأمريكية.
ماذا تعني خسارة المنظمة للقضية الفلسطينية؟
قد تتيح هذه التطورات مساحة أكبر داخل الكونجرس أمام سياسيين يطالبون بمراجعة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، مستفيدين من صلاحيات المجلس في إقرار التمويل والتصويت على صفقات السلاح.
وفي هذا السياق، تدعم مجموعات مثل «بال باك» مقترحات تستهدف تقييد نقل بعض الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل، من بينها مشروع قانون «أوقفوا القنابل»، الذي يسعى إلى فرض قيود على نقل فئات محددة من الأسلحة.
لكن تحويل المكاسب الانتخابية إلى تغيير ملموس في السياسة الأمريكية يظل مرهونًا بقدرة النواب والمشرعين المؤيدين لهذه المطالب على حشد أغلبية داخل الكونجرس، وانتزاع دعم كافٍ للمقترحات التشريعية، وليس بمجرد الفوز بمقاعد انتخابية، وفقًا لتقرير «بي بي سي».



