جيرمين عامر عضو اتحاد الإعلاميين العرب
بين تفاعل وآخر ..
يشهد العالم .. ميلاد قوي سياسية وشعبية جديدة، مؤثرين رقميين مدعومين بتقنيات الذكاء الإصطناعي، استطاعوا .. وضع قواعد جديدة لصوت الجماهير، وتغيير فتيل الإشعال للحركات الشعبية العابرة للحدود.
في الماضي، كانت الحركات الشعبية تولد من الشارع، ثم تبحث عن منبر إعلامي يتبناها وينقل صوتها للجماهير، فيلتف حولها الأنصار من جموع الشعب المقهورة لتقوم الثورات.
أما اليوم، فروح الشارع تغيرت .. بإنشغال الجماهير بالتريند،
الذي يظهر فجاة .. ويختفي أيضا فجاة من علي الشاشات، دون سابق إنظار!!
تريند تصنعه .. الخوارزميات علي منصات التواصل الإجتماعي، ويلتف .. حوله ملايين من المتابعين. يبدأ .. بصورة، ثم رسالة إستياء أو تضامن، ثم فيديو قصير، ثم تنهال .. عليه آلاف المشاركات للتعبير عن الغضب الجماهيري، ثم يتحول فجاة .. لقضية تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
يعتلي فيه المؤثرون .. قيادة هذا الرأي الديجيتال العابر للحدود، بما يمتلكونه من قدرة عالية على توجيه النقاش، وصياغة الأولويات، وتشكيل الآراء والقرارات حتي مزاج المتابعين وأدق تفاصيل حياتهم ومستقبلهم.
إستهوي .. هذا النفوذ الرقمي الضخم صناع القرار، فاستبدلوا .. الانفلونسر البشري بآخر رقمي مدعوم بتقنيات الذكاء الإصطناعي، ليكون أسهل في التعامل، وأعلي في التاثير، وصديق للبيئة، وقادر علي التنفيذ الدقيق لكافة الاوامر علي مدار الساعة دون ملل او المطالبة بزيادة مالية او اجر اضافي كاوفر تيم Overtime.
ليلعب أدوار جديدة بعيدا عن بيع المنتجات، أو التسويق للأفكار. فبات الانفلونسر الرقمي يروج للقضايا الشعبية أو الطبقية، ويعيد تعريف مفهوم العدالة، والهوية، والإنتماء، ويحدد للجماهير من يتعاطف معه، ومن يتهمه.
ولعل تجربة المؤثرة ليل ميكيلا LiL Miquela المدعومة بتقنيات الذكاء الإصطناعي ورسوم الحاسوبية CGI في الحركة الشعبية الامريكية Black Lives Matter حياة السود مهمة - احد أبرز القضايا التي اثيرت حول نفوذ المؤثر الرقمي.
فعل الرغم من أن الانفلونسر ليل ميكيلا نتاج خوارزميات وفريق من المبرمجين وخبراء الإتصال والتسويق ومحللي البيانات، إلا أن تأثيرها كان أعمق علي تحريك الجماهير. وفقا لما نشر في موقع pursuit.unimelb.edi.au في مارس 2026. عن دورها في الحركة الشعبية والتي ظهرت بامريكا عام 2013، وبالتحديد عقب مقتل المراهق تريفون مارتن.
فخلال أيام قليلة، تجاوزت الحركة حدود الولايات المتحدة الامريكية، لتصبح قضية رأي عام عالمي، مدفوعة بسرعة إنتشار عبر منصات السوشيال ميديا، وقوة الهاشتاج، والخوارزميات التي دفعت بالمحتوى إلى مئات الملايين من المستخدمين.
ومع تصاعد الإحتجاجات الشعبية حول القضية، أعلنت المؤثرة ليل ميكيلا الرقمية دعمها الكامل للحركة ونشرت رسائل تضامن، ومحتوى توعوي حول العدالة العرقية، وشجعت متابعيها على دعم المبادرات المناهضة للعنصرية.
وعلي الرغم من أن المشاركة إقتصرت على الفضاء الرقمي، إلا انها حققت ملايين المشاهدات والتفاعلات خاصة بين فئة الشباب التي تعتمد المؤثرين سواء الرقميين او البشر كمصدر للمعلومات، لتثبت أن التأثير لم يعد مرتبط بوجود إنسان من لحم ودم، وإنما بقدرة الخوارزميات على الوصول إلى روح الجماهير.
ليظهر مفهوم جديد في آليات الإتصال الجماهيري عرف باسم Virtual Activism الناشط الإفتراضي، وهو إستخدام الشخصيات الرقمية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي للمشاركة في القضايا العامة وصناعة النقاش المجتمعي، عبر نشر ريل او ستوري، أو بث تعليق ساخر او ميم يعاد تداولها ملايين المرات تؤثر في أراء وقرارت الجماهير.
ولان معركة المستقبل .. لن تكون مع من يمتلك البيانات أو من له قدره علي تطوير الخوارزميات، بل مع من يستطيع أن يحمي الوعي الإنساني؟!!. لهذا لزم علي الدول والقائمين علي الصناعة الاعلإمية ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة والآصالة والمسئولية، حتى يبقى الرأي العام حر، نتاج قناعة، وإرادة جماهيرية حقيقية.







