جولات المحافظين.. رقابة ميدانية أم مشاهد تصنعها الكاميرا؟

أعادت جولة محافظ القليوبية حسام عبد الفتاح على عدد من المدارس، وما تبعها من انتشار مقاطع مصورة لمواجهاته مع مديري مدارس أمام الكاميرات، طرح سؤال تكرر خلال السنوات الأخيرة: متى تظل الجولة الميدانية أداة للمتابعة والمحاسبة، ومتى تتحول طريقة ممارسة المحاسبة نفسها إلى قضية رأي عام؟

وخلال الساعات الماضية، تجاوز الجدل حدود المدارس التي زارها المحافظ، ليمتد إلى طريقة مخاطبته مدير مدرسة برقطا ومديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير، قبل أن تدخل نقابة المعلمين على خط الأزمة، ويعود المحافظ لتوضيح أسباب قراراته وروايته لما جرى خلال الجولة.

الجولة الميدانية.. أداة للمتابعة والمحاسبة

تمثل الجولات الميدانية جزءًا أساسيًا من آليات متابعة أداء المرافق والمشروعات الحكومية، إذ يعتبر قانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 المحافظ ممثلًا للسلطة التنفيذية داخل محافظته، ويمنحه، بالنسبة إلى المرافق الداخلة في اختصاص الإدارة المحلية، السلطات التنفيذية المقررة للوزراء، كما يجعله رئيسًا للأجهزة والمرافق المحلية في نطاق المحافظة.

وفي قطاع التعليم، تنص المادة 11 من قانون التعليم على تولي المحافظات «العملية التنفيذية التعليمية والمتابعة المحلية»، إلى جانب إنشاء وتجهيز وإدارة المدارس الداخلة في اختصاصها.

وتظهر أهمية الجولات الميدانية كذلك في الخطاب التنفيذي الحكومي، إذ سبق أن وصف محافظ بني سويف، خلال عرض أداء محافظته أمام رئيس الوزراء في يونيو الماضي، الجولات الميدانية بأنها «ركيزة أساسية» في أسلوب العمل التنفيذي، مؤكدًا أن نتائجها تدخل ضمن تقييم أداء الإدارات وفرق العمل.

سبتمبر 2026.. جولة مدارس القليوبية تشعل الجدل

جاءت جولة محافظ القليوبية الأخيرة في إطار متابعة جاهزية المدارس استعدادًا لبدء العام الدراسي، لكن بعض مشاهدها انتقلت سريعًا من نطاق المتابعة الميدانية إلى منصات التواصل الاجتماعي.

ففي مدرسة برقطا الإعدادية، رصد المحافظ عددًا من الملاحظات المتعلقة بالنظافة والصيانة والمقاعد، كما لفت انتباهه ظهور مدير المدرسة مرتديًا الجلباب، فسأله عن «الزي الرسمي»، قبل أن تنتهي الجولة بقرار استبعاد المدير.

وفي مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار، دار نقاش آخر بين المحافظ ومديرة المدرسة بشأن مستوى النظافة واحتياجاتها، بعدما تحدثت عن نفقات تحملتها ومخاطبات وجهتها إلى الجهات المعنية.

وبعد ساعات، انتشر مقطعَا الواقعتين على نطاق واسع، ليتحول النقاش من مستوى جاهزية المدارس والملاحظات التي رصدها المحافظ إلى طريقة الحوار نفسها، بدءًا من الحديث عن ملابس مدير المدرسة، وصولًا إلى أسلوب مخاطبة المديرة.

ودخلت نقابة المعلمين على خط الجدل، معلنة رفضها تحويل المدارس إلى ما وصفته بـ«ساحات للشو الإعلامي»، ومطالبة بوضع ضوابط للزيارات التفقدية.

وفي اليوم التالي، عاد المحافظ إلى تفاصيل الواقعة، مؤكدًا أن قرار استبعاد مدير مدرسة برقطا لم يكن بسبب ارتدائه الجلباب، وإنما ارتبط، بحسب روايته، بتقاعسه عن التعامل مع مشكلات المدرسة، كما عرض موقفه من المستندات التي قدمتها مديرة مدرسة كفر الجزار وما ذكرته بشأن إنفاقها من أموالها الخاصة.

وهكذا اكتمل نموذج بات يتكرر في وقائع مشابهة: ملاحظة ميدانية، مواجهة أمام الكاميرا، انتشار مقطع قصير، ثم تبدأ الروايات والتوضيحات بعد انتهاء الجولة.

مايو 2026.. «امشي من قدامي»

قبل أربعة أشهر، قدمت جولة وزير النقل كامل الوزير في أسيوط نموذجًا آخر على تأثير الكاميرا في إعادة تشكيل المشهد.

وخلال متابعة التشغيل التجريبي للمرحلتين الثانية والثالثة من محور ديروط، ارتبك أحد المهندسين أثناء تقديم شرح عن المشروعات، وذكر أن محور سمنود يقع في القليوبية، قبل أن يصحح المعلومة إلى الغربية.

وقاطع كامل الوزير المهندس، وطالبه بالابتعاد عن موقع الشرح قائلًا: «امشي خالص من قدامي».

وأثار المقطع المتداول حالة من الجدل، بين من رأى في رد الوزير حزمًا مطلوبًا في التعامل مع مهندس يفترض إلمامه بتفاصيل المشروع، ومن اعتبر طريقة التعامل قاسية أمام الحضور والكاميرات.

لكن رواية أخرى ظهرت لاحقًا، إذ قال مصدر بوزارة النقل، في تصريحات صحفية، إن الفيديو المتداول لم يعرض نهاية الواقعة، موضحًا أن الوزير أعاد استدعاء المهندس بعد دقائق وطلب منه استكمال الشرح.

أغسطس 2025.. «هي تكية؟»

وقبل ذلك بنحو عام، شهدت مدرسة أشروبة الثانوية بمركز بني مزار في المنيا واقعة مشابهة خلال جولة للواء عماد كدواني، محافظ المنيا آنذاك.

وخلال الجولة، اكتشف المحافظ تخصيص مساحة فصل كامل لتكون مكتبًا لمدير المدرسة، فاعترض على الأمر وطلب إعادة المساحة إلى الاستخدام التعليمي، كما وجه بنقل المدير.

لكن العبارة التي سبقت بقية تفاصيل الواقعة إلى مواقع التواصل الاجتماعي كانت: «هي تكية؟».

وبعد انتشار المقطع، بدأت الصورة تتسع؛ إذ نشر عدد من الأهالي صورًا للمدير أثناء توزيعه المياه على الطلاب، وقدموا شهادات عن خدمته للمدرسة والأهالي، مشيرين إلى أن وضع المكتب كان قائمًا قبل توليه الإدارة.

وبذلك انتقل النقاش من مساحة الفصل وقرار نقل المدير إلى شخصية المدير نفسه وطريقة التعامل معه، قبل أن تتدخل نقابة المعلمين مؤكدة أن احترام المعلم واجب، فيما أوضح المحافظ لاحقًا أن توجيهاته استهدفت الصالح العام وخدمة العملية التعليمية.

الدقهلية 2024.. «لو مش قادر.. فيه مليون واحد»

ولم تقتصر هذه المشاهد على المدارس، ففي يوليو 2024، وخلال الأيام الأولى لتولي اللواء طارق مرزوق منصب محافظ الدقهلية، أجرى جولة تفقدية داخل المركز التكنولوجي بمدينة جمصة.

وخلال الجولة، رصد المحافظ حالة من الزحام وتأخرًا في إنجاز مصالح المواطنين، ودخل في مواجهة مع مدير المركز، أبلغه خلالها بتحويله للتحقيق، وقال له إنه إذا كان غير قادر على إدارة المركز فهناك «مليون واحد» يتمنى القيام بالمهمة.

وكما حدث في وقائع أخرى، انتقل جزء من الاهتمام من المشكلة الإدارية نفسها إلى طريقة توجيه الحديث أمام الكاميرات.

قرارات أكثر صرامة.. وجولات لم تتحول إلى أزمة

في المقابل، تكشف وقائع أخرى أن حدة القرار الإداري لا تكفي وحدها لتحويل الجولة إلى قضية رأي عام.

ففي فبراير الماضي، فاجأ اللواء عمرو الغريب، محافظ المنوفية، المركز التكنولوجي بحي غرب شبين الكوم، ووجه حديثًا حادًا إلى أحد الموظفين بسبب تأخر إنهاء إجراء لأحد المواطنين، وطالبه بإنجازه فورًا، بينما انتهت الجولة إلى إحالة 26 موظفًا للتحقيق بسبب عدم الانضباط والتقصير.

ورغم تصوير الواقعة ونشرها، بقي التركيز بدرجة أكبر على نتائج الجولة والقرارات الإدارية الصادرة عنها.

وفي مارس، أجرى محافظ الجيزة أحمد الأنصاري جولة مفاجئة بمركز الصف، انتهت إلى مجازاة رئيس المركز ونوابه ورؤساء وحدات محلية بسبب مستوى النظافة وانتشار المخلفات.

وهنا أيضًا كان القرار الإداري واسعًا، لكن مركز الاهتمام ظل منصبًا على حالة الشارع والمخالفات والجزاءات المترتبة عليها.

متى تصبح الجولة نفسها هي القصة؟

تكشف المقارنة بين هذه الوقائع أن انتشار الجولة لا يرتبط بالضرورة بمدى شدة القرار، وإنما بمجموعة من العوامل الأخرى.

أول هذه العوامل أن تتحول المخالفة إلى مواجهة شخصية واضحة؛ فمشهد وزير يواجه مهندسًا مرتبكًا، أو محافظ يناقش مدير مدرسة أمام موظفيه، يكون أكثر قابلية للتداول من قرار مكتوب بإحالة عشرات الموظفين للتحقيق، لأن الجمهور يرى أشخاصًا ونبرة صوت وردود أفعال، إلى جانب تفاوت واضح في السلطة بين أطراف المشهد.

أما العامل الثاني، فيتعلق بوجود عبارة قصيرة ومكتفية بذاتها، مثل «هي تكية؟» أو «امشي من قدامي» أو «هو ده الزي الرسمي؟»، وهي عبارات يمكن فصلها عن سياق الجولة وتحويلها بسهولة إلى عنوان أو مقطع قصير أو مادة للنقاش.

حين يصبح الموظف صاحب قصة

وهنا يظهر فارق مهم بين «الموظف المقصر» و«الشخصية التي تصنعها الكاميرا».

في الجولة التقليدية، يعرف الجمهور المسؤول ولا يعرف الموظف، لكن عندما تقع المواجهة أمام الكاميرا، يحصل الطرف الآخر فجأة على اسم وصورة وقصة، ويبدأ الجمهور في البحث عما فعله قبل اللحظة التي ظهر فيها أمام الكاميرا.

حدث ذلك مع مدير مدرسة أشروبة، ويتكرر حاليًا مع مديرة مدرسة كفر الجزار.

وعندما يجد الجمهور أن الموظف يمتلك مستندات أو شهادات تؤيده، أو أن لديه تاريخًا مهنيًا لا يتطابق مع الانطباع الذي تركه المشهد الأول، ينتقل النقاش تلقائيًا من سؤال «هل توجد مخالفة؟» إلى سؤال آخر أكثر حساسية: «هل كانت المحاسبة عادلة؟».

الكاميرا لا تسجل الجولة فقط.. بل تعيد تشكيلها

صممت الجولات الميدانية في الأساس لتمكين المسؤول من رؤية ما قد لا يظهر في التقارير المكتبية، ولذلك تعد واحدة من أدوات الرقابة التنفيذية المهمة.

لكن نشر الجولة بالصوت والصورة يجعلها تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه: متابعة أداء المرفق، وعرض ممارسة الرقابة أمام الجمهور.