جرمين عامر تكتب: «الاحتياط واجب».. مخطط بونزي في ثوبها الرقمي

جرمين عامر - عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر

جرمين عامر - عضو النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر

تعود أحداث القصة إلى عام 1920، عندما وقف المهاجر الإيطالي شارل بونزي Charles Ponzi أمام مجموعة من مستثمري مدينة بوسطن الأمريكية، ليعرض عليهم فكرته الشيطانية، المبنية على استغلال فرق أسعار طوابع البريد الدولية بين أوروبا وأمريكا. ووعد المستثمرين بتحقيق أرباح تصل إلى 50% خلال 45 يومًا و100% خلال 90 يومًا فقط.

فسال لعاب المستثمرين، وبدأت أطماعهم في الثراء السريع تحلق في السماء، في لحظة، تحول المكتب الصغير لشارل بونزي إلى قبلة للمستثمرين، الناس يبيعون مدخراتهم، يرهنون ممتلكاتهم، فقط ليحجزوا مكانًا في قطار الأرباح السريعة. وخلال عام واحد، استطاع بونزي جمع ما يقرب من 20 مليون دولار، فكرة بونزي لم تكن استثمارًا حقيقيًا في تجارة الطوابع، بل كانت مخططًا شيطانيًا قائمًا على دفع أرباح المستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد، وعندما بدأ مفتشو البريد التحقيق، اكتشفوا الحقيقة المذهلة!

ليتحول مخطط بونزي إلى مصطلح هام في عالم الاقتصاد وعالم رجال المال والأعمال وجرائم الاحتيال. فبونزي لم يكن يتاجر في طوابع البريد، بل كان يستثمر في الوهم ويلعب بأحلام الطامعين في الثراء السريع. وتم القبض على بونزي، وحكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات.

ولأن فنون الاحتيال لا تموت، بل تتطور لتناسب الزمان، بعد أكثر من قرن على تلك القصة، أعيد مخطط بونزي ولكن بطريقة أكثر تعقيدًا وجاذبية، خاصة لأصحاب المعلومات البسيطة والأحلام الكبيرة والإمكانيات المحدودة.

إنها استثمارات العملات المشفرة، على عوالم الميتافيرس، حيث الاستثمار الافتراضي الرقمي، وفجأة تتحول المنصات الرقمية إلى أسواق للأحلام، مع مشروعات ووعود باستثمارات خيالية، ومؤثرين يروجون لها، وجمهور يندفع للاستثمار دون فهم كامل لطريقة عمل هذه المنظومة.

تشير الدراسات إلى أن الرجال يمثلون النسبة الأكبر من المستثمرين في العملات المشفرة، حيث يشكلون نحو 70 إلى 80٪ من مستخدمي العملات الرقمية، بينما تمثل النساء حوالي 20 إلى 30٪. ويعود ذلك لعدة أسباب، أبرزها ميل الرجال للمخاطرة المالية، إضافة إلى ارتباط العملات الرقمية بعالم التكنولوجيا والرقمنة، الذي يهيمن عليه الذكور.

لكن هذه الفجوة بدأت تضيق شيئًا فشيئًا، فالنساء يقتحمن سوق العملات المشفرة بوعي أكبر واستراتيجيات أكثر حذرًا، معتمدات على عقلية المرأة الأكثر بحثًا وتحليلًا. كما بدأت العديد منهن في الانخراط في مجالات جديدة مثل التمويل اللامركزي (DeFi) والممتلكات الرقمية (NFTs).

مع صعود مفهوم عوالم الميتافيرس، بدأ يتشكل نوع جديد من الاقتصاد الرقمي الافتراضي، حيث يمكن شراء أراضٍ رقمية، وبيع أزياء افتراضية، وامتلاك عقارات، وحتى شراء الأعمال الفنية أصبح رقميًا باستخدام العملات المشفرة.

لتظهر منصات مثلDecentralandوThe Sandbox، وتصبح أسواقًا رقمية بمواعيد ثابتة وفعاليات وأبطال وجمهور معروف، تمامًا مثل سوق الثلاثاء. إلا أن هذا السوق الافتراضي يعتمد في تداولاته على العملات المشفرة، مما يزيد من احتمالية الوقوع في عمليات احتيال.

وهنا، تدق الحكومات ناقوس الخطر. فقد حظرت الصين تداول العملات المشفرة، بينما أصدرت العديد من البنوك المركزية تحذيرات من مخاطرها، من بينها البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي، مشيرة إلى التقلبات العنيفة في الأسعار، والاحتمالية العالية للاحتيال والاستثمارات الوهمية، واستخدام العملات الرقمية في غسل الأموال، بالإضافة إلى مخاطر الاختراقات الإلكترونية وسرقة المحافظ الرقمية.

ولأن البنك المركزي المصري يمتلك استباقية وخططًا واضحة للتصدي لعمليات الاحتيال الرقمي، فقد حذر منذ عام 2018 من التعامل بالعملات المشفرة، باعتبارها غير قانونية، كما حذر من التداول عبر منصات غير مرخصة، لما في ذلك من مخاطر جسيمة على المستثمرين.القضية ليست رفض التكنولوجيا، بل محاولة للسيطرة على الفوضى التي قد تنشأ عنها.