تتسع تداعيات الحرب مع إيران لتتجاوز ساحات المواجهة العسكرية، بعدما بدأت انعكاساتها تظهر على حركة التجارة والطاقة والتحالفات الدولية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على مخزوناتها من الصواريخ، بينما لا تزال حركة الملاحة عبر مضيق هرمز عند مستويات ضعيفة، وسط حالة ترقب في أسواق النفط بشأن مستقبل الهدنة.
وبحسب تقرير نشرته مجلة «نيوزويك» الأمريكية، فإن استمرار الاضطرابات منح منافسي واشنطن فرصة لتوسيع تحركاتهم الاقتصادية والأمنية، وفتح الباب أمام إنشاء مسارات تجارية وتحالفات جديدة بعيدًا عن النفوذ الأمريكي، خاصة في ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.
وكانت دول الخليج من أكثر الأطراف تأثرًا بتطورات الصراع، بعدما دفعت الهجمات الإيرانية التي طالت قواعد أمريكية ومنشآت للطاقة إلى إعادة تقييم مدى الاعتماد على الولايات المتحدة في توفير الحماية الأمنية.
وفي هذا السياق، وقعت السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس اتفاقًا للدفاع المشترك عُرف باسم «اتفاق مكة»، ويستند إلى مبدأ الدفاع الجماعي، مع إمكانية انضمام دول أخرى من المنطقة إليه.
ورغم أن الاتفاق لم يتضمن حتى الآن تفاصيل عسكرية واضحة بشأن طبيعة الالتزامات بين أطرافه، فإنه يعكس توجهًا نحو تعزيز التعاون الأمني الإقليمي وتقليل الاعتماد على ترتيبات الحماية الأمريكية.
وعلى المستوى الاقتصادي، أدت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا إلى تعزيز علاقاتها مع الصين والهند، إذ تجاوزت قيمة مشتريات البلدين من النفط الروسي 400 مليار دولار بين عام 2022 ويناير 2026، وفقًا لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف.
وفي محاولة للتعامل مع العقوبات والقيود الغربية، واصلت موسكو الاعتماد على ما يعرف بـ«أسطول الظل» لنقل النفط، بالتزامن مع تشديد عمليات المراقبة والتفتيش الغربية على هذا النشاط.
كما طُرحت أفكار لإنشاء خط سكك حديدية يمتد إلى المحيط الهندي عبر أفغانستان وباكستان وإيران وتركمانستان، بما يوفر لروسيا مسارًا بريًا إضافيًا للتجارة ويقلل اعتمادها على الممرات التي أصبحت أكثر عرضة للتوترات.
وفي ظل اضطرابات البحر الأحمر وتأثيرها على حركة الملاحة في قناة السويس، يزداد الاهتمام بـ«طريق بحر الشمال»، الذي يمتد لنحو 3000 ميل ويمر جزء كبير منه داخل المياه الروسية، مع تولي «روساتوم» مهام تتعلق بتصاريح العبور وخدمات كسر الجليد.
كما بدأت شركات آسيوية في استكشاف هذا المسار بصورة أكبر، مع إطلاق خدمات شحن جديدة بين الصين وأوروبا، إلى جانب استعداد شركات كورية جنوبية لتنفيذ رحلات تجريبية عبر الطريق.
وتشير هذه التحركات إلى أن تداعيات الحرب تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والأمن، مع اتجاه عدد من القوى والدول الإقليمية إلى بناء بدائل جديدة للممرات التجارية والتحالفات التقليدية، وهو ما قد يترك تأثيرًا طويل المدى على خريطة التجارة العالمية.




