أكد الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، خلال خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالجامع الأزهر، أن الإسلام لا يدعو إلى الاستسلام للظروف أو الرضا بالضعف والتراجع، وإنما يحث على العبادة والعمل والبناء وتحمل المسؤولية، مشددًا على أن نهضة الأمم تحتاج إلى أصحاب الهمم العالية والعقول القادرة على صناعة التغيير.
وجاءت الخطبة تحت عنوان «أمة الأكابر»، حيث أوضح الهواري أن المقصود بالأكابر هم أصحاب الهمم الرفيعة والأخلاق الحسنة والعمل المتقن، الذين يتجاوز اهتمامهم مصالحهم الشخصية إلى خدمة مجتمعهم وبناء أوطانهم، لافتًا إلى أن الإسلام يرفض التواكل والكسل والرضا بالواقع إذا كان بالإمكان تغييره إلى الأفضل.
وأشار إلى أن أصحاب الهمم الكبيرة يسعون إلى إتقان أعمالهم، ومساعدة المحتاجين، ومواجهة الجهل والفقر، وحماية مجتمعاتهم، إلى جانب التحلي بالعفو والعدل وضبط النفس عند الخلاف، مؤكدًا أن قيمة الإنسان لا تقاس بالمظاهر أو المكاسب العابرة، وإنما بما يقدمه من علم وعمل وأخلاق.
واستعرض خطيب الجامع الأزهر عددًا من النماذج التاريخية التي جسدت علو الهمة، من بينها أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان ومصعب بن عمير وعمر بن عبد العزيز، إلى جانب علماء الأمة مثل الإمام الشافعي وابن جرير الطبري، موضحًا أن سير هؤلاء تعكس كيف يمكن للإيمان وتحمل المسؤولية أن يحولا الإنسان إلى عنصر فاعل في بناء المجتمع.
وحذر الهواري من انتشار ظاهرة الاهتمام بالمظاهر على حساب الجوهر، وانتشار نماذج تحظى بشهرة واسعة رغم محدودية ما تقدمه، في الوقت الذي قد يعيش فيه العلماء والمفكرون والمخترعون وأصحاب المشروعات النافعة بعيدًا عن دائرة الاهتمام المجتمعي.
ولفت إلى أن من صور الانشغال بما وصفه بـ«السفساف» استنزاف الوقت والطاقة في متابعة الشائعات والفضائح والمحتوى السطحي، إلى جانب الإفراط في استخدام وسائل التواصل والألعاب الإلكترونية، بما قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالقراءة والتفكير والتحليل والإبداع.
كما انتقد تحويل الخلافات إلى ساحات لتبادل الاتهامات والإساءة وتتبع أخطاء الآخرين، مؤكدًا أن الارتقاء الأخلاقي يقتضي احترام الخصوم والابتعاد عن الكذب والبهتان والنميمة والتحريض، مع ضرورة الحفاظ على قيم العدل والكرامة وحسن التعامل.
وشدد الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية على أن تراجع الهمم لا يمثل مشكلة فردية فقط، بل يمكن أن يتحول إلى أزمة حضارية، موضحًا أن المجتمعات التي تنشغل بالتوافه وتبتعد عن العلم والإنتاج والعمل الجاد تفقد قدرتها على المنافسة والتقدم.
وأكد أن استعادة روح «أمة الأكابر» تبدأ بإعادة النظر في مفهوم النجاح داخل المجتمع، بحيث يحظى العلماء والمبدعون والمربون وأصحاب المهن والأعمال المتقنة بالتقدير الذي يستحقونه، إلى جانب تنشئة الأجيال على تحمل المسؤولية والاقتداء بسير العلماء والمصلحين.
وفي ختام الخطبة، دعا الهواري إلى استثمار الوقت ومحاربة الفراغ، وإتقان العمل والابتعاد عن الرداءة، ونبذ الخصومات الصغيرة والقيل والقال والحسد والنميمة، مؤكدًا أن بناء الحضارات لا يتحقق بالأماني، وإنما يحتاج إلى العلم والعمل والاجتهاد والإخلاص.
ووجه رسالة إلى الشباب، مؤكدًا أنهم يمثلون عنصرًا أساسيًا في مستقبل الأمة، وأن المجتمع في حاجة إلى عقولهم وقدراتهم وطموحاتهم، داعيًا إياهم إلى الاهتمام بالعلم والبحث والابتكار، والابتعاد عن المحتوى الهابط والانشغال بما لا يحقق لهم أو لمجتمعهم فائدة حقيقية.




