كيف حوّل المصريون غابة تنزانية إلى مدينة ومشروع لتوليد الكهرباء؟

بعد سنوات من العمل في قلب غابة تنزانية معزولة، خرج مشروع سد ومحطة توليد الكهرباء «جوليوس نيريري» إلى النور، ليصبح واحدًا من أبرز المشروعات التي نفذها تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، بمشاركة وصلت في ذروة التنفيذ إلى نحو 12 ألف عامل.

وخلال حلقة خاصة من برنامج «معكم» مع الإعلامية منى الشاذلي، عبر شاشة «ON E»، استعرض عدد من مهندسي المشروع تفاصيل رحلة التنفيذ، منذ الوصول إلى منطقة نائية داخل محمية طبيعية، مرورًا بإنشاء مدينة متكاملة للعاملين، وصولًا إلى تنفيذ السد ومحطة التوليد والتعامل مع فيضانات ضخمة بلغت تدفقاتها نحو 8500 متر مكعب في الثانية.

بداية العمل من منطقة معزولة

وقال المهندس محمد سماحة، نائب مدير التحالف المنفذ لسد جوليوس نيريري في تنزانيا، إن فريق العمل بدأ تنفيذ المشروع داخل غابة تقع في محمية طبيعية، ولم تكن المنطقة تضم تجمعات سكانية أو خدمات أساسية، ما استدعى إنشاء مدينة متكاملة لاستيعاب العاملين بالمشروع.

وأوضح، خلال تصريحاته لبرنامج «معكم»، أن أقرب قرية إلى موقع السد كانت تبعد نحو 70 كيلومترًا، فيما تبعد أقرب مدينة، وهي كبيتي، نحو 200 كيلومتر، وكانت الطرق المؤدية إليها في معظمها ترابية.

وأشار إلى أن أولى التحديات تمثلت في توفير بيئة مناسبة لإقامة العاملين، بالتزامن مع إنشاء بنية أساسية متكاملة تشمل مولدات الكهرباء، ومحطات لتحلية وتنقية المياه، وشبكة من الطرق والمباني والمعسكرات السكنية، إلى جانب توفير خدمات الطعام والإعاشة.

مدينة متكاملة لـ12 ألف عامل

وأشار سماحة إلى أن طبيعة الموقع فرضت على التحالف إنشاء مجتمع متكامل من الصفر، في ظل غياب الطرق والخدمات والسكان عن المنطقة، مؤكدًا أن تجهيز أماكن الإقامة والمرافق الأساسية سبق التوسع في الأعمال الإنشائية الخاصة بالسد.

وأضاف أن فريق العمل تحرك في مسارين متوازيين؛ الأول تجهيز الموقع وتحويله إلى منطقة صالحة للعمل والمعيشة، والثاني استكمال التصميمات الخاصة بالسد ومحطة التوليد والمنشآت المرتبطة بالمشروع.

ولفت إلى أن تنفيذ المسارين وفق خطة زمنية دقيقة ومراحل محددة ساعد في تجهيز فرق العمل والمعدات بالتزامن مع بدء كل مرحلة من مراحل المشروع.

تحديات هندسية فرضتها طبيعة نهر روفيجي

ومن جانبه، قال المهندس وائل حمدي، نائب رئيس مجموعة السويدي، إن تصميم منشأة مائية بهذا الحجم وربطها بمحطة توليد قادرة على إنتاج الطاقة المستهدفة شكلا تحديًا هندسيًا كبيرًا أمام فريق المشروع.

وأوضح أن المشروعات المائية الكبرى تختلف طبيعتها من موقع إلى آخر، إذ تفرض الظروف الجغرافية وطبيعة المياه والتربة حلولًا هندسية مختلفة، وهو ما تطلب منح التصميم الوقت الكافي للوصول إلى الحل الأكثر كفاءة وملاءمة لطبيعة الموقع.

وأشار إلى أن نهر روفيجي يمتد لنحو 600 كيلومتر داخل تنزانيا، بينما يبلغ طول نهر النيل نحو 6600 كيلومتر، إلا أن متوسط فيضانات روفيجي يصل إلى مستويات مرتفعة مقارنة بكميات المياه التي تصل إلى مصر عبر النيل.

فيضانات ضخمة واجهها فريق المشروع

وأوضح حمدي أن تدفقات نهر روفيجي خلال موسم الفيضان تصل إلى نحو 2800 متر مكعب في الثانية، إلا أن فريق التنفيذ واجه فيضانين كبيرين خلال فترة العمل، بلغ أحدهما نحو 6500 متر مكعب في الثانية، وتسبب في عدد من التحديات التي تمكن الفريق من التعامل معها وتجاوز آثارها.

وأضاف أن فيضان عام 2024 شهد تدفقات وصلت إلى نحو 8500 متر مكعب في الثانية، إلا أن بحيرة السد تمكنت من استيعاب كميات المياه دون تأثير سلبي على المشروع، لتتحول المياه إلى مصدر دعم لمخزون البحيرة، بما يعزز فرص استمرار النشاط الزراعي على مدار العام.

واستشهد حمدي ببيانات نسبها إلى الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، بشأن فيضان سابق بلغ متوسط تدفقاته نحو 8900 متر مكعب في الثانية عام 2016، وأسفر عن إزالة 53 تجمعًا سكنيًا أسفل النهر وتهجير نحو 22 ألف شخص.

كما أشار إلى فيضان آخر شهدته المنطقة عام 2010، بمتوسط تدفقات بلغ نحو 8500 متر مكعب في الثانية، وأسفر، وفق البيانات التي استند إليها، عن وفاة وفقدان نحو 2200 شخص.

تحويل مجرى النهر خلال أقل من عام

وأوضح نائب رئيس مجموعة السويدي أن التعامل مع نهر سريع وغزير التدفقات تطلب تنفيذ أعمال هندسية معقدة لتحويل مجرى النهر خلال فترة تقل عن عام، بهدف تأمين منطقة العمل وإتاحة المجال لتنفيذ المنشآت الرئيسية للسد.

وأشار إلى أن السيطرة على المياه وتحويل مسارها كانا من أهم مراحل المشروع، خاصة في ظل طبيعة النهر والتغيرات الكبيرة في معدلات التدفق خلال مواسم الفيضان.

محطة توليد تضم 9 توربينات

وقال المهندس أسامة شوكت، مدير مشروع الأعمال المدنية، إن محطة توليد الكهرباء كانت من أكثر أجزاء المشروع تعقيدًا من الناحية الإنشائية، نظرًا لارتباط الأعمال المدنية بتركيب التوربينات والأنظمة الكهروميكانيكية ومراحل التصنيع.

وأوضح أن طبيعة المحطة استدعت بدء العمل فيها مبكرًا، مع استمرار التنسيق بين فرق التصميم والتنفيذ، مشيرًا إلى أن المحطة تضم 9 توربينات، يمثل كل توربين منها مشروعًا متكاملًا من حيث أعمال التجهيز والتركيب والتشغيل.

وأكد أن محطة سد جوليوس نيريري تنتج كمية من الكهرباء تتجاوز إنتاج السد العالي، بينما أوضح محمد سماحة أن المشروع أسهم في إضافة ما يعادل نحو ضعفي القدرة السابقة لتنزانيا على إنتاج الكهرباء.

وشبه سماحة أهمية سد جوليوس نيريري بالنسبة لتنزانيا بأهمية السد العالي بالنسبة إلى مصر عند إنشائه، نظرًا لما يمثله المشروع من زيادة كبيرة في الطاقة المتاحة ودعم خطط التنمية داخل البلاد.

7 مشروعات كبرى داخل مشروع واحد

واستعرض شوكت أبرز مكونات المشروع، موضحًا أنها تشمل السد الرئيسي ومحطة توليد الكهرباء والطرق والكوبري الرابط بين ضفتي النهر، إلى جانب السدود الفرعية التي تمتد لنحو 18 كيلومترًا.

وأشار إلى أن الجزء الخرساني من السدود يمتد لنحو 1.2 كيلومتر، فيما تتكون أجزاء أخرى من سدود ترابية مصممة وفق تقنيات خاصة للحد من نفاذ المياه، إلى جانب طبيعة السد الرئيسي الركامية.

ووصف شوكت المشروع بأنه يضم ستة أو سبعة مشروعات كبرى تعمل ضمن منظومة واحدة، نظرًا لتعدد المنشآت واختلاف طبيعة الأعمال الهندسية والتنفيذية المطلوبة في كل جزء.