أكد الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية، أن الإسلام لا يعني الاستسلام للظروف أو الرضا بالدونية والتواكل والكسل، وإنما يقوم في جوهره على العبادة وعمارة الأرض والقيادة والسيادة، وهي معانٍ لا تتحقق إلا بأصحاب الهمم العالية والعزائم القوية.
جاء ذلك خلال خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر، تحت عنوان «أمة الأكابر»، حيث شدد الهواري على أن مقاصد الإسلام لا تليق بأشباه الرجال أو أنصاف الهمم، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشْرَافَهَا، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا»، معتبرًا أن هذا التوجيه يمثل ميزانًا للأخلاق والسلوك، ومعيارًا لعلو الإنسان والأمم والحضارات.
معالي الأمور في مواجهة السفساف
وأوضح الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية أن معالي الأمور تشمل كل همة كبيرة تسعى إلى الكمال، وكل عمل يقوم على الإتقان، وكل خلق يرفع صاحبه فوق الضغائن والصغائر والتوافه.
وأشار إلى أن أصحاب الهمم العالية هم العقول التي تبحث في أسرار الكون لخدمة البشرية، والنفوس التي تتألم لآلام الآخرين فتسعى إلى البناء والإغاثة، والأيدي التي تزرع وتصنع وتكتب وتبتكر، إلى جانب الأخلاق التي تدفع الإنسان إلى العفو عند القدرة والعدل في أوقات الغضب.
في المقابل، بيّن أن السفساف هو الرديء من كل شيء، ويشمل الهمم التافهة والأفكار الصغيرة والرضا بالجهل رغم القدرة على التعلم، وقبول التبعية والهوان رغم إمكانية الاستقلال، فضلًا عن الاستسلام للكسل تحت شعارات الزهد المغشوش.
وأكد أن الله لا يرضى لأمة تلقت أنوار الوحي أن تكون في ذيل القافلة، ولا لأمة الرسالة أن تكتفي باستعادة أمجاد الماضي بينما تعاني من أزمات الحاضر، مشددًا على أن الإسلام يحفز على العقول الكبيرة والهمم العالية والمشروعات النافعة، ويرفض الضآلة والسطحية.
الأكابر.. همة وخلق وعمل
وقال الهواري إن الأكابر في فلسفة القرآن هم أكابر الهمة والخلق والعمل، الذين لا تتوقف اهتماماتهم عند حدود مصالحهم الشخصية أو إشباع رغباتهم، وإنما ينظرون إلى احتياجات مجتمعهم والعالم من حولهم.
وأوضح أن صاحب الهمة الكبيرة لا يقبل أن يرى جهلًا إلا ويسعى إلى مواجهته بالعلم، ولا فقرًا إلا ويحاول تخفيفه، ولا ثغرًا من ثغور الأمة إلا ويسعى إلى حمايته بفكره وبدنه.
ومن أبرز صفات هؤلاء، بحسب الهواري، تنزيه النفس عن صغائر الخصومات، والالتزام بالأدب عند الاختلاف، والتحلي بالشرف عند الخصومة، والعفو عند القدرة، مستشهدًا بقول الله تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}.
إتقان العمل عنوان أصحاب الهمم
وأشار الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية إلى أن علو الهمة لا يقتصر على العلم أو العبادة، وإنما يظهر كذلك في إتقان العمل، موضحًا أن العالم الكبير هو من يتعمق في تخصصه، والصانع هو من يجود منتجه، والمزارع هو من يحرث أرضه بيقين، والموظف هو من ينظر إلى عمله باعتباره مسؤولية وأمانة.
وشدد على أن أصحاب الهمم لا يضيعون أوقات الناس، ولا يؤجلون أعمال اليوم إلى الغد، وإنما يجمعون بين الصناعة المحكمة والفكر العميق والبناء المتين.
ولفت إلى أن أجيال مدرسة النبوة فهمت الدين باعتباره تكليفًا ومسؤولية تتطلب بذل أقصى الجهد، فتحولت نفوسهم إلى نفوس تواقة إلى المعالي، ترفض الدون وتسعى إلى إعلاء كلمة الله.
نماذج تاريخية لأصحاب الهمم العالية
واستعرض الهواري عددًا من النماذج التاريخية التي جسدت علو الهمة وصلابة الإيمان واستشعار المسؤولية، وفي مقدمتها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، عندما ارتدت بعض قبائل العرب، فرفض التهاون في أمر الدين، وقال: «أينقص الدين وأنا حي؟!»، مؤكدًا أن هذا الموقف يعكس طبيعة قلوب الأكابر وعقولهم في مواجهة الأزمات.
كما استشهد بعثمان بن عفان رضي الله عنه، عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الإنفاق في تجهيز جيش العسرة، فبادر عثمان بتقديم ما لديه من مال، حتى قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم».
وتناول كذلك قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه، الذي كان يعيش في مكة حياة من النعيم والترف، قبل أن يغير الإسلام مسار حياته، فيختار الرسالة على متاع الدنيا، ويتوجه إلى المدينة المنورة داعيًا إلى الإسلام بالحجة والأخلاق والهمة العالية.
وأشار إلى عمر بن عبد العزيز، الذي حمل هموم الناس بعد توليه الخلافة، وعندما قيل له إن عليه أن يستريح، أجاب بما يعكس شعوره بثقل المسؤولية وحرصه على أداء حقوق الناس وحق الله، كما ذكر نماذج من علماء الأمة، وفي مقدمتهم الإمام الشافعي وابن جرير الطبري، لما قدموه من صور بارزة في طلب العلم وعلو الهمة.
التحذير من ثقافة التفاهة
وحذر الهواري من واقع استبدلت فيه فئات من المسلمين معالي الأمور بالسفساف، والهمم العالية بالاهتمامات الصغيرة، والجدية بالعبث، مؤكدًا أن الموازين اختلت في بعض المجتمعات حتى أصبح الاهتمام بالصورة مقدمًا على الجوهر والحقيقة.
وانتقد تصدر بعض أصحاب المحتوى التافه للمشهد المجتمعي، في الوقت الذي يعيش فيه العالم والمفكر والمخترع ومن يعمل على بناء الأمة بعيدًا عن دائرة الاهتمام، رغم أهمية أدوارهم وتأثيرها في مستقبل المجتمعات.
مواقع التواصل واستنزاف طاقات الشباب
ولفت إلى أن من أبرز مظاهر التعلق بالسفساف سطحية التفكير واختزال الاهتمامات، موضحًا أن قطاعات من الشباب باتت تستنزف جانبًا كبيرًا من طاقاتها في الاستهلاك، ومتابعة الفضائح والشائعات، والألعاب الإلكترونية والمحتوى الفارغ عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأكد أن الانشغال المستمر بهذه القضايا قد يؤدي إلى إضعاف القدرة على القراءة الجادة والتحليل العميق والإنتاج المبتكر، ويصرف الاهتمام عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بإصلاح التعليم، وبناء النهضة العلمية، وتعزيز الإنتاج والاستقلال الاقتصادي.
التحذير من دناءة الخصومة وتسطيح التدين
كما حذر الأمين المساعد لمجمع البحوث الإسلامية من انتشار الأخلاق الهابطة والدناءة في الخصومات، وتحول الخلافات الفكرية والشخصية إلى ساحات لتصفية الحسابات عبر الكذب والبهتان وتتبع العورات ونشر التسجيلات والتحريش بين الناس.
وأشار إلى أن مظاهر السفساف تشمل أيضًا ضعف الإنتاج والرضا بالتبعية، وتسطيح التدين وتحويله إلى مجرد مظهر وشكل، مع إغفال قيم الدين الأساسية، وفي مقدمتها العدل والكرامة والإنتاج والأخلاق الرفيعة وعمارة الأرض.
وشدد على أن تسطيح التدين يمثل من أخطر صور السفساف، لأنه قد يمنح العجز والضآلة غطاءً من التقوى والورع.
السفساف مرض حضاري يهدد الأمم
وأكد الهواري أن الرضا بالسفساف لا يمثل مجرد خطأ فردي، وإنما يتحول إلى مرض حضاري قاتل، موضحًا أن الأمة التي يكثر فيها أهل السفساف وتقل فيها نماذج الأكابر تكون أكثر عرضة للتراجع والانهيار.
وقال إن الحضارات لا تسقط بصورة مفاجئة، وإنما تسبق سقوطها مظاهر من الترف الفارغ، وصغر الهمم، وضياع المبادئ، والانشغال بالجزئيات عن القضايا الكبرى.
وأوضح أن استعادة مكانة «أمة الأكابر» لا تحتاج إلى معجزات، وإنما إلى إرادة صادقة وخطوات عملية تبدأ بإعادة تعريف النجاح والقيمة داخل المجتمع، وإعادة الاعتبار لأهل العلم والمبدعين والمربين والعمال المخلصين وأصحاب الأخلاق الرفيعة، بدلًا من تقديم القدوات الزائفة.
دعوة إلى صناعة الهمة وبناء الأجيال
ودعا إلى تربية النفس والأبناء على صناعة الهمة، وتعويدهم على تحمل المسؤولية، وتعريفهم بسير العلماء والعظماء والمصلحين، حتى يصبح الطموح والعمل والإتقان جزءًا من تكوينهم.
كما شدد على أهمية تطوير منظومة القيم داخل المجتمع، بحيث يرتبط التقدير بالإنجاز الحقيقي والعلم والأخلاق والإبداع، وليس بمجرد الشهرة أو الحضور الإعلامي.
رسالة إلى الشباب: العلم والعمل طريق النهضة
وفي ختام الخطبة، دعا الهواري إلى احترام الوقت ومحاربة الفراغ، وإتقان العمل ورفض الرداءة، والتسامي الأخلاقي ونبذ الخصومات الصغيرة، وتطهير المجالس والمجتمعات من القيل والقال والحسد والنميمة وتتبع العورات.
ووجه رسالة إلى الشباب، مؤكدًا أنهم ليسوا هامشيين في المجتمع ولا عالة على غيرهم، وأن الأمة في حاجة إلى عقولهم وسواعدهم وهممهم، داعيًا إياهم إلى الابتعاد عن الشهوات والاهتمامات الهابطة، والإقبال على العلم والبحث والابتكار، وأخذ الكتاب بقوة.
وأكد أن بناء الحضارات لا يتحقق بالأماني، وإنما يحتاج إلى العمل والعرق والسهر والإخلاص لله رب العالمين.




